الصفحة 28 من 74

يقيدها بالهوى والتشهي، بل بالنظر والاحتياط المشروع والسبيل الأجود لمصلحة الرعية؛ ولذا لا بد أن يلاحظ مدى مشروعية تناولها، من خلال موافقة قصد المكلف في التناول لقصد الشارع في التشريع، فإذا وافقها كان استعماله مشروعًا بل ربما مطلوبًا فعله، وإن كان على خلاف ذلك كان مطلوب الترك [1] . وليس في ذلك أي تغيير للأحكام الشرعية، فهما خارج نطاق التخيير، ولا بد من الامتثال للشرع، فتسن الأنظمة للأمر باللازم في الواجبات والحث عليها واستحداث المرغبات لها، وعقوبة تاركها وللأمر باللازم في ترك المحرمات والتحذير منها وعقوبة فاعلها؛ قال الشاطبي:"ومن كلامه - يقصد عمر بن عبدالعزيز - الذي عني به ويحفظه العلماء وكان يعجب مالكا جدا، وهو أن قال:"سن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفه، من عمل بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا"،وبحق ما كان يعجبهم; فإنه كلام مختصر، جمع أصولا حسنة من السنة" [2] . وبناءً عليه يكون حمل مقولة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله -"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"، على مقتضى الأصول المضمنة في أثر عمر بن عبد العزيز: أن سنة ولاة الأمر وعملهم تفسير لكتاب الله وسنة رسوله (- صلى الله عليه وسلم - وسلم، لقوله:"الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله"، وهو أصل مقرر في غير هذا الموضع، فقد جمع كلام عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - أصولا حسنة وفوائد مهمة، وهو قول الشاطبي [3] . ...

إلا أنّ هذا المباح ليس مطلقا في كل مباح، بل هو فقط فيما جعل للإمام حقّ التصرّف فيه بالمصلحة المعتبرة، وفي كل أمر هو من اختصاصه، وضمن مسؤوليته، بحيث يباح له فعله، فيخرج بذلك جميع المباحات التي ليست من اختصاصه، ومنها على سبيل المثال خصوصيات الناس، فلا يحقّ للإمام أن يلزم الناس بشرب القهوة دون الشاي، أو شخصًا بزواج فلانة دون علانة أو مثل ذلك. [4]

والدليل على تقييد المباح لمصلحة معتبرة من فعله (- صلى الله عليه وسلم - حيث نهى عن ادخار لحوم الأضاحي وعلل ذلك؛ لأجل الدَّافة وهم الأعراب يفدون المدينة ثم أذن في ذلك فقال (- صلى الله عليه وسلم:"ألا فكلوا وتصدقوا وادخروا" [5] ،

(1) اللاوي، سلطة ولي الأمر في تقييد المباح، (المرجع السابق، ص:81) .

(2) انظر، الشاطبي (ت:790ه) ، الاعتصام، تحقيق حسن مشهور آل سلمان، مكتبة التوحيد، (ج:1،ص:144) .

(3) الشاطبي، الاعتصام، نفس المرجع:1،ص ص:146 - 147.

(4) ياسين بن علي، فقه تقييد المباح، مجلة الزيتونة، http://www.azeytouna.net/Usul/Usul002.htm ، 21 ذو القعدة، 1432ه.

(5) صحيح مسلم - كِتَاب الْأَضَاحِيِّ - نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت