الصفحة 29 من 74

ومن فعل الصحابة منع سيدنا عمر بن الخطاب (- رضي الله عنه - بعض الصحابة من السفر خارج المدينة [1] فقد كان يرى جواز منع بعض الأشخاص من السفر؛ لحاجته إلى استشارتهم في الملمات والنوازل، وذلك لاحتياج الأمة لهم وحرصه عليهم حيث يخشى بذهابهم فقدان البديل لهم وخاصة بعد مقتلة القراء، وكذلك لدرء بعض المفاسد التي تنتج من انتشارهم في البلاد، كظهور التعصب بين الناس للصحابي المقيم في مدينته في مقابل باقي الصحابة مما يبث الأحزاب والفرق بين المسلمين [2] ، و للمكلف أن يمنع نفسه من بعض أفراد المباح متى دعت الحاجة إليه، وليس له أن يمنع نفسه من جنس المباح، فإذا لم يجز ذلك للمكلف فهو من باب أولى غير جائز للإمام؛ فليس له أن يسنّ نظامًا أو أمرًا أو غير ذلك مما من شأنه أن يمنع جنس مصلحة على عموم المكلفين، بل له فقط أن يمنع الفرد من أفراد المصالح، ذلك أن جنس المصلحة متى ثبت بالدليل الشرعي لم يصح منع جنسه بأي حال، فقدْ أخرجَ الإمامُ البخاريُّ في:"صحيحه"بسندهِ عنْ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ (- صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ (- صلى الله عليه وسلم - قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ(- صلى الله عليه وسلم - إِلَيْهِمْ فَقَالَ) : أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِله وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي. (فلا يصح أن يأتي تقييد المباح على سبيل النسخ بإبطال حكم سابق بحكم لاحق؛ فذلك من اختصاصه (- صلى الله عليه وسلم - وانقطع النسخ بانقطاع الوحي بوفاته (- صلى الله عليه وسلم -، و أما منع الفرد من أفراد المباح في حالة معيّنة، ولوقت معيّن، فجائز.

ولما أن من طبيعة الأنظمة تقييد ما تدخل عليه؛ فكل نظام يسنّ لا بد أن يقيِّد شيئًا من المباحات، ثم إن تقييد المباح بالأنظمة والسياسات والقرارات يعد من أعمال السياسية الشرعية التي يقوم بها ولاة الأمر، فهي إجراء مؤقت تدعو له الضرورات أو الحاجات، من أجل المحافظة على قصد المباح إذا تعرض للنسيان أو التناسي، أو عارضتها عادات أو ممارسات تعود على المباح بالنقض، ولا سيما متى تعلق المباح

(1) الطبري، محمد بن جعفر تاريخ الطبري المعروف بتاريخ الأمم والملوك، الطبعة الأولى، بيروت: دار الفكر،2/ 679،وانظر: ابن عساكر، أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله (ت 571) (1415 ه‍-1995م) تاريخ مدينة دمشق، الطبعة الأولى، بيروت: دار الفكر،39/ 302.،وانظر: 53. ... الهندي علاء الدين المتقي (1989م) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، الطبعة الأولى، بيروت: مؤسسة الرسالة. 14/ 34.

(2) السبيعي، إبراهيم عبد الله البديوي (2007م) ، المنع من السفر كعقوبة تعزيرية في الشريعة الإسلامية والقانون الكويتي في العصر الحديث، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الكويت، العدد 17،العام 2007م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت