الصفحة 30 من 74

بحق الآخرين؛ إذ الأصل في مشروعيتها اعتبار حقوق الآخرين؛ وبزوال سبب المشروعية ترفع الإباحة [1] ، وهو من أنواع العمل بمبدأ أن للإمام تقييد المباح عند من يقرره من أهل العلم لمصلحة عامة لا خاصة، ويقصد بها اختيار الإمام أحد أفراد المباح الذي جاز فعله أو تركه أصلا مع إلزام الناس بهذا الاختيار سواء بمنعهم من الفعل أو بإلزامهم به، وهذه المباحات وإن كانت مساحة تقبل التوجيه نحو الخير أو نحو الشر حسب إرادة المتناول لها، فإن الله (- عز وجل - لم يقصد بها إلا الخير؛ ولهذا فإن كل تصرف في المباح بما يحقق المقاصد الشرعية من جعلها مباحة يعد من مظاهر النهوض بمسؤولية خلافة [2] الإنسان في الأرض ومن باب أولى خلافة الحكَّام على الناس.

وعلى الجملة فالمباح - كغيره من الأفعال - له أركان وشروط وموانع ولواحق تراعى؛ والترك في هذا كله كالفعل، فترك الفعل فعل. فكما أنه إذا تسبب الفرد للفعل كان مسؤولًا عن تسببه، كذلك إذا تسبب إلى الترك كان مسؤولًا عنه، فالمسؤولية تنفي الإطلاق في التصرف، وتقيد الحرية بما يؤول إليه التناول [3] ، وعلى هذا يجوز لولي الأمر - وقد يجب - التدخل لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المباح ومنع الضرر أو الحرج المترتب على تناوله. إما بمنع الناس مما يرى أن في عدم تقييد إباحته ضررًا بالمجتمع، أو إيجاب ما يرى أن في الأمر به دفعا لمفسدة أو جلبا لمصلحة لعموم الناس، أو وضع طريقة مفصلة لتناول المباح، تذهب مفاسد التناول وتحول دون إساءة الاستخدام، وما يتخذه ولي الأمر من إجراءات في سبيل ذلك يكون ملزمًا واجب الطاعة [4] ، فكل تقييد لمباح يحقق مصلحة عامة معتبرة، اختاره الإمام والتزمه في سنّ الأنظمة أو إصدار الأوامر والتعليمات وغيرها من الوسائل الإدارية وجب على الأمة أن تطيعه فيه.

ومن الأمثلة على ذلك إعادة تنظيم الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - يرحمه الله - للجانب الإجرائي في رد المظالم إلى أهلها، فرفع جميع القيود والشروط التي أضافها من سبقوه من الولاة لإثبات المظلوم لمظلمته، ثم خفف ما تبقى منها، بحيث يكون جانب الاحتياط باتجاه عدم تفويت مصلحة المتظلم، وذلك بالتيسير وعدم التشدد في طلب البينة القاطعة من المتظلمين في زمن كثر فيه غشم الولاة، فكان يكتفي بأيسر من ذلك إذا عرف وجه مظلمة الرجل ردها عليه، ولم يكلفه تحقيق البينة [5] ، عملا

(1) ينظر، اللاوي، سلطة ولي الأمر في تقييد المباح، (مرجع سابق ص:82) .

(2) بتصرف، اللاوي، سلطة ولي الأمر في تقييد المباح، (نفس المرجع ص:136) .

(3) ينظر، اللاوي،،نفس المرجع، ص:103، والشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج:1،ص:116.

(4) ينظر الخفيف، علي (1990م) الملكية في الشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى، القاهرة: دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، ص ص 102 - 103. و اللاوي،، نفس المرجع، ص:109.

(5) انظر: ابن سعد، محمد بن منيع الزهري (ت 230هـ) (د ت ن) طبقات ابن سعد، الطبعة الأولى، بيروت: دار صادر، 5،:252.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت