الصفحة 42 من 74

المبحث الرابع: السياسة الشرعية في سنّ الأنظمة

عند استعراض لوازم مقولة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - ندرك أن الفقه الإسلامي ليس مجرد قواعد تنظيمية تُعنى بتنسيق العلاقات بين الأفراد والمجتمع أو بين الحاكم والمحكوم وما إلى ذلك من أمور كما هو الحال في القانون، بل إن السياسة الشرعية التي تأتي الأنظمة على وفقها هي قبل ذلك فقه تقويمي للاحتياط للمصالح بإطلاقها والمحافظة عليها من أي نقص وتكثيرها و المفاسد بتقييدها بالدرء أو رفعها أو تقليلها، وذلك فق منظومة قواعد وضوابط تم تلقيها من مصدر مُوحَى وواقعٍ مجرَّب بحيث يسير العقل وفق النقل، فالشريعة الإسلامية قد انتظمت حقوقًا لا وجود لها في القانون [1] .

جلب المصالح وسنّ الأنظمة:

يؤخذ في الحسبان - بالإضافة إلى ما تقدم - أن الأصل في المصالح الجلب وإبقاؤها على إطلاقها، والأصل في الأنظمة تقييد ما تدخل عليه؛ لذا فالأنظمة تقيد المصالح وتضيق نطاق الاستفادة منها وبناءً على ذلك يكون إدخال الأنظمة على المصالح مناقضًا لها والأصل عدمه.

فالأنظمة أحد أهم وسائل الضبط الاجتماعي، وجميعها يؤدي إلى تقييد الحريات، ولا يصح تقييد حريات الناس إذا تعلقت بالمصالح المعتبرة شرعًا إلاَّ إذا قابل ذلك تحصيل مصلحة معتبرة أكبر بعد امتناع إمكان الجمع بينهما، فالأصل أن لا يرجح بين المصالح إلا عند امتناع إمكانية الجمع بينهما، ثم بعد ذلك كله يشترط أن يحقق إدخال النظام على المصالح مزيدًا من الإفادة منها وبكفاءة وفاعلية أكبر، فالأصل أن لا يزاد في تقييد الحريات عن القدر اللازم؛ لأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها وتلاحظ عند حلول دواعيها.

وبناءً على ما تقدم: فإن رفع الحرج عن الناس والتيسير عليهم يتطلب تقليل الأنظمة. و تقليل الأنظمة يتطلب أن تكون ذات كفاءة وفاعلية مرتفعة. والكفاءة والفاعلية المرتفعة للنظام تتطلب وضع إجراءات إدارية سليمة لتنفيذ النظام. والإجراءات السليمة تتطلب سنّ النظام وفق ضوابط واعتبارات تكفل تحقيق المقصود منه بأقل قدر من الحرج وأعلى كفاءة وفاعلية ممكنة.

ولما كان الأصل في مصالح الناس أن تحصل دون سنّ نظام خاص بها، فالأفضل تركها على سعتها

(1) بتصرف انظر، الدريني، فتحي (1417هـ) ، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى،، (ص:139) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت