الصفحة 43 من 74

دون تقييد. قال المستشار عمر شريف:"إن الحكمة من التقليل من القوانين تكمن في أن التشريع موضوع لسد حاجات الناس، وتحقيق مصالحهم فينبغي أن يكون في حدود هذه الحاجات والمصالح، ويترك ما عداه للأصل العام وهو الإباحة" [1] ؛ فأي مصلحة معتبرة يأتي بها الناس بطريق مشروع هي لهم، وليس للمنظِّم أن يتدخل فيها إلاَّ في حالتين:

الحالة الأولى: في حالة الفراغ النظامي: وهي أن تكون مصلحة ولا يمكن تحصيلها إلاَّ بنظام أو تنظيم، فهذه يوضع لها نظام لتحصيلها وضبطها. والاحتياط للمصلحة العامة التي هي قطب الرحى لأحكام السياسة الشرعية، قد تقتضي من ولي الأمر التدخل في شؤون العامة في كل ظرف يغلب على الظن فوات المصلحة بعدم التدخل [2] .

ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك الاستثمار في التعدين في منطقة نائية غنية بالمعادن وبعيدة عن مناطق الجدوى الاقتصادية هو حسب التجربة أمر ممتنع، لبعد نقاط التصدير وانعدام وسائل النقل ونقص في المياه اللازمة وغياب للخدمات الحكومية وخروجها عن نطاق التسهيلات النظامية والحوافز الاستثمارية. ويعد التعدين في تلك المنطقة من المصالح التي انقطع السبيل إليها، وانقطاع سبيل المصلحة مفسدة لا ترفع إلا بتدخل ولي الأمر بإصدار المراسيم والأوامر التي تنشئ المرافق العامة في المنطقة والبنية التحتية ووسائل المواصلات لنقاط الاستثمار الصناعي والتصدير واعتماد تقنية لا تحتاج إلى المياه و إصدار حوافز استثمارية وتعديل الأنظمة لتتفق مع جميع ذلك، وهذا يتطلب سد الفراغ بسنّ الأنظمة والتنظيمات والسياسات لرفع مفسدة انقطاع مصلحة استثمار المعادن في تلك المنطقة.

و ترك الدولة التهيئة اللازمة للمناطق التي يتعثر فيها الاستثمار مع قدرتها عليه، يعد من التقصير في الرعاية ولا يحق لها ذلك، فليس للدولة أن تعطل مصالح الناس دون منفعة ظاهرة من هذا الامتناع، فانتفاء المصلحة المشروعة قرينة لقصد الإضرار فعلى سبيل المثال: أن يمنع مالك غيره من الارتفاق بأرضه، إذا ترتب على هذا الارتفاق نفع لكليهما، كما جاء في قضاء عمر (- رضي الله عنه - في قضية محمد بن مسلمة [3]

لكون ذلك قرينة على تمحض قصد الإضرار، وقصد الإضرار ممنوع ولا يشرع، فإن صح ذلك في الإضرار بشخص واحد فمن باب أولى إذا استعملت الدولة حقها على وجه سلبي دون أن يكون لها منفعة

(1) ينظر، شريف، عمر (1411هـ) ، نظام الحكم والإدارة في الدولة الإسلامية: دراسة مقارنة، مصر، القاهرة: معهد الدراسات الإسلامية، ص 75.

(2) الدريني، فتحي (1410هـ) ، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى،، (ص:174) .

(3) القصة رواها مالك في"الموطأ"في كتاب الأقضية، باب القضاء في المرفق (2/ 746 رقم 33) ؛ عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا له من العريض، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد، فقال له الضحاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولا وآخرا، ولا يضرك، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع، تسقي به أولا وآخرا، وهو لا يضرك، فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به، ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمر به، ففعل الضحاك.

وصحح سند القصة الحافظ ابن حجر في"فتح الباري" (5/ 111) ، والألباني في"إرواء الغليل" (5/ 253 رقم1427) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت