فيه، وترتب على هذا الامتناع ضرر وحرج بعامة الناس، فيمنع من باب أولى [1] .
و يعد امتناع الرسول (- صلى الله عليه وسلم - من التسعير، من الأمثلة على ترك سنّ نظام احتياطًا لمصلحة إطلاق الحريات المشروعة، قال الإمام الشوكاني: وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد وأبي داود قال:"جاء رجل فقال: يا رسول الله، سعِّر، فقال:"بل أدعو الله"، ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله، سعر، فقال:"الله يخفض ويرفع". قال الحافظ: وإسناده حسن" [2] . والنص النبوي المذكور يدل على أن الشريعة الإسلامية تحرص في مجال التجارة أن تطلق الحرية للسوق، وتدع السلع فيها للقوانين الطبيعية تؤدي فيها دورها، وفقًا للعرض والطلب. والرسول الكريم (- صلى الله عليه وسلم - يعلن بهذا الحديث أن التدخل في حرية الأفراد: منتجين وتجارًا ومستهلكين - بغير ضرورة - مظلمة، يحب أن يلقى ربه بريئًا من تبعتها [3] ، لأجل ذلك حاسب الفاروق عمر بن الخطاب (- رضي الله عنه - نفسه في منع حاطب البيع في السوق بالسعر الذي يراه، فعاد فقال له:"إن الذي قلت لك ليس بمعرفة مني ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئتَ فبعْ، وكيف شئتَ فبعْ"قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك:"لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئًا منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم، وهذا ليس منها" [4] .
وفي المقابل يتحول الحكم من المنع إلى الوجوب متى ظهر الظلم والاحتكار، وتحكم الأقوياء في الضعفاء، وسيطرة قلة من الأفراد الجشعين على الأسواق والسلع، فهنا يجوز التسعير وقد يجب على وليّ الأمر سنّ نظام تسعير حماية للضعيف من القوي، قد جاء في كتب الحنفية -"الهداية"و"الاختيار"وغيرهما: أن أرباب السلع إذا تحكموا وتعدوا عن القيمة تعديًا فاحشًا وجب على الحاكم أن يُسعر عليهم بمشورة أهل الرأي والبصيرة، منعًا للضرر عن عامة الناس [5] ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ولهذا كان على الوالي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه" [6] .
(1) الدريني، فتحي (1429هـ) نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي، الطبعة الثالثة، دمشق: مؤسسة الرسالة، ص 235
(2) أخرجه أحمد في"المسند" (2/ 337 رقم 8448) ، وأبو داود في"سننه"، كتاب الإجارة، باب في التسعير (3450) ، والبيهقي في"سننه" (6/ 29) ، من طريق سليمان بن بلال، وأبو يعلى في"مسنده" (6521) ، والبغوي في"شرح السنة" (2125) ، من طريق إسماعيل بن جعفر، والطبراني في"الأوسط" (427) ، من طريق أبي أويس، وابن منده في"التوحيد" (274) ، من طريق محمد بن جعفر بن أبي كثير، جميعهم (سليمان، وإسماعيل، وأبو أويس، ومحمد بن جعفر) عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، به، وهذا لفظ سليمان بن بلال. وحسن إسناده ابن حجر في"التلخيص الحبير" (3/ 962) ، والسخاوي في"المقاصد الحسنة" (540) ، وصححه الألباني في"صحيح أبي داود" (3450) .
(3) يوسف القرضاوي (2002م) عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية، اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، الكويت، ص ص 58 - 59.
(4) ابن تيمية (شيخ الإسلام) أحمد بن عبد الحليم (1425هـ) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عبدالرحمن بن محمد بن قاسم وابنه محمد، المملكة العربية السعودية، المدينة المنورة، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف،29/ ص ص 91 - 92
(5) انظر يوسف القرضاوي، (2002م) نفس المرجع ص 61، وانظر، الهداية وشروحها، ج: 8/ 127.
(6) ابن تيمية، نفس المرجع 28/ص: 75.