الحالة الثانية: في حالة أن جلب المصلحة يفضي إلى مفسدة مساوية أو أكبر: فلا بد أن يتدخل النظام ويوقف العمل بهذه المصلحة إذا أفضت غالبًا إلى مفسدة مساوية أو أكبر لا لأنها مصلحة، وإنما لرفع المفسدة المترتبة على جلبها.
ومن الأمثلة على ذلك منع عمر بن عبدالعزيز المسؤولين في الحكومة من الأعمال التجارية في نطاق سلطانهم، جاء في كتاب الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - إلى عماله قوله:"ونرى أن لا يتَّجر إمام في سلطانه الذي هو عليه فإن الأمير متى يتَّجر يستأثر ويصيب أمورًا فيها عنت وإن حرص على أن لا يفعل" [1] . وبذلك يكون عمر بن عبدالعزيز قد جعل لتجارة المسؤولين في الحكومة ضابطًا يعرف به متى يحق له العمل في التجارة ومتى لا يحق له ذلك، والضابط هو قوله:"لا يتَّجر إمام في سلطانه الذي هو عليه"، وما ذاك إلا أن الموظف الحكومي في سلطانه مظنة أن يحابى في تطبيق الأنظمة أو تسيير الأعمال، فلو خالف الأنظمة فسيجتهد له في مخرج نظامي ليصير الممنوع مسموحًا وإن بغير طلب منه، وقس على ذلك، ومفهوم المخالفة أن تجارة الأمير أو الموظف الحكومي في غير سلطانه مشروعة غير ممنوعة، فهو والحال كذلك كغيره من الناس لا يحابى في تطبيق الأنظمة أو تسير الأعمال.
ويلاحظ بالمقارنة مع العصر الحاضر أن سياسة"لا يتَّجر إمام في سلطانه الذي هو عليه"، أنها من جهة أيسر وأوسع على الناس من النظام المطبق اليوم، فالأنظمة السعودية تمنع الموظف الحكومي من العمل في التجارة دون تمييز بين العامل في سلطانه والعامل في غير سلطانه، الأمر الذي أدى إلى حدوث مفاسد مساوية أو تزيد وخلل أدى إلى الغش والتدليس بتسجيل ملكية الكثير من الأعمال التجارية بغير اسم أصحابها، مما أربك العمل التجاري لموظف الحكومة وكلفه مزيدًا من الوقت والجهد وشغله عن الأداء الجيد في وظيفته، بالإضافة إلى أن هذا الأمر لو توسع فيه وفق سياسة عمر بن عبدالعزيز لتوسعت مداخيل موظفي الحكومة في غير مخالفة ولأدى ذلك إلى تحسين الأداء و تقليل الفساد، ومن الجهة الأخرى لا تكفي هذه السياسة في هذا العصر فبسبب التقدم التقني في الاتصالات يمكن لموظفي الحكومة التنسيق فيما بينهم لتبادل المنافع خارج دائرة سلطان كل منهم الأمر الذي يتطلب إحداث سياسة جديدة لتحديد واكتشاف التنسيق غير المشروع في تبادل سلطان موظفي الحكومة لنفع بعضهم بعض وكيف يمكن أن تراقب وتضبط، ويأتي جميع ذلك لمنع تفويت المصالح التي يحتاط لها النظام أو أن تفضي إلى مفاسد مساوية أو أكبر. ...
وعند تدبر الأمر في الحالتين نجد أن الأنظمة لم تدخل على المصالح نفسها، وإنما دخلت على
(1) ابن عبدالحكم، مرجع سابق، ص 78 - 83.