التمهيد
في أول لقاء مع الأمة بعد استخلافه صعد عمر بن عبد العزيز المنبر، وحدد منهجه وطريقته في سياسة الأمة، فقال:"أما بعد فإنه ليس بعد نبيكم نبي، ولا بعد الكتاب الذي أُنزل عليه كتاب، ألا إن ما أحل الله حلال إلى يوم القيامة، ألا إني لست بقاضٍ ولكني منفّذ، ألا وإني لست بمبتدع ولكن متبع، ألا إنه ليس لأحد أن يُطاع في معصية الله"، ثم حدد سياسته في التعامل مع عامة الناس وبيّن أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم فقال:"أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس، وإلاّ فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا على الخير وإلى ما نهتدي إليه، ولا يغتابنّ عندنا الرعية، ولا يعترض فيما لا يعنيه."ثم بين سياسته المالية والاقتصادية لرفاهية الرعية والناس فقال:"وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها (- عز وجل - ولا في نبيها (- صلى الله عليه وسلم - ولا في كتابها، وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم، وإني والله لا أعطى أحدا باطلًا، ولا أمنع أحدًا حقًا". ثم رفع صوته حتى أسمع الناس فقال:"يا أيها الناس، من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له" [1] .
وتظهر هذه الخطبة بعض جوانب السياسة الشرعية التي قرر عمر بن عبد العزيز - يرحمه الله - اتباعها في الحكم وهي:
أولًا: الالتزام بالكتاب والسنة، وأنه غير مستعد للاستماع إلى أي جدل في مسائل الشرع والدين على أساس أنه حاكم منفذ، وأن الشرع بَيِّنٌ من حيثُ تحليلُ ما أحل الله وتحريم ما حرم الله ورفضه للبدعة والآراء المحدثة.
ثانيًا: حدد لمن يريد أن يجالسه من رعيته أن يكون لاتصاله معه شروط هي:
1.... أن يرفع إليه حاجة من لا يستطيع أن يصل إلى الخليفة، أي أنه جعل المقربين منه همزة وصل بينه وبين من لا يستطيعون الوصول إليه، فيعرف بذلك حوائج الناس وينظر فيها.
2.... أن يعينه على الخير ما استطاع.
3.... وأن لا يغتاب عنده أحدًا.
4.... ألاّ يتدخل أحد في
(1) ابن الجوزي، الحافظ جمال الدين أبي الفرج عبدالرحمن، (1331هـ) سيرة عمر بن عبدالعزيز، نسخه وصححه ووقف على طبعة محب الدين الخطيب، مطبعة المؤيد، مصر، ص (51 - 57)