ولكن تميز الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - الذي تفرد فيه كان في رد الأقضية لتكون بقدر الفجور الحادث فجاءت التوسعة و تقوية العدل على قدر تقوية أهل الصلاح و تجديد أمر هذا الدين جراء ذلك، ولعل هذا ما دعا الإمام أحمد بن حنبل أن يقول:"إذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها فاعلم أن من وراء ذلك خيرًا إن شاء الله" [1] .
إن تحكيم شرع الله بالنسبة لدولة الشريعة وبخاصة في مراحل التغيرات السريعة و العميقة بمثابة المرساة لمركب في بحر تلاطم موجه واشتدت رياحهُ، فستجده ثابتًا لا تذهب به الرياح ولا يزحزحه الموج، وتصوير ذلك على الواقع السياسي سهل ولا يحتاج إلى نظريات سياسية وتحليلات علمية ولتقريب الصورة للأذهان، أنبه فقط إلى حقيقة هي:
لا يوجد أمر يتعلق بالإنسان ليس له حكم في الشريعة؛ لأجل ذلك لا يتصور عقلًا وشرعًا وجود أمر مشكل في دولة الشريعة مهما كبر وعظم؛ لا يمكن الفصل فيه بعدل، إما بفتوى ترفع النزاع وتحل الوئام أو بحكم قضائي؛ وحكم القاضي يرفع الخلاف. فالشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان ولم تضق خلال أربعة عشر قرنًا في الجواب عن أمرٍ من الأمور.
وسبب ذلك أن المسلمين في دولة الشريعة يرضون بحكم الله ويسلمون تسليما، عملًا بقول الله تعالي: ? {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ?} (النساء:65) فتختفي حينها الأزمات لتكون مجرد مسائل فقهية يختلف الناس حولها ومتى ظهر الحكم الشرعي رفع الاشكال.
وفي عصر المؤسسات تكون أهم أدوات حل المشاكل السياسية والاضطرابات هي الأنظمة الدستورية والأساسية التي تعكس هوية المجتمع و الدولة، و جميعها يعتريه النقص، ويكون محل اختلاف في بعض جوانبه، وهذا أمر طبيعي يعترض مسيرة الدول والمجتمعات ولا يمكن التحرز منه، وأي سياسة لا تتعظ بهذا في مسيرة الأمة تعد سياسة غير واقعية، ولأجل ذلك فمن السياسة الشرعية الحرص على تقوية قدرة دولة الشريعة على مجابهة المشاكل والاضطرابات، وهذا يتطلب أن يحكم في كل نازلة بحكم شرعي صحيح، وهذا بعد يتطلب بيان الأحكام عند أول مقدمات المشاكل والملمات وظهور العمل بهذه الأحكام قبل استفحال النوازل والأزمات، ويعد ذلك من أهم تطبيقات قول الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"، ولنا أن نتخيل لو أن كل نظام يسنّ، وكل تنظيم ينشأ يطلق المصالح ولا يقيدها إلا بالحد الأدنى اللازم، ويستبدل ما قُيد بمصالح تساويه أو تفوقه، بل
(1) ابن الجوزي، مرجع سابق (1331هـ) ص 61.