الصفحة 38 من 515

و (1) الطبقة السادسة

طبقة المقلِّدين القادرين على التمييز بين القوي الأقوى (2) ،

والضعيف وظاهر الرواية والرواية النادرة كأصحاب (3) المتون المعتبرة من

المتأخرين، مثل: صاحب (( الكَنْز ) )، وصاحب (( المختار ) )، وصاحب (( المجمع ) )، وصاحب (( الوقاية ) )، وشأنُهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة.

الطبقة السابعة:

طبقةُ (4) المقلِّدين (5) الذين لا يقدرون على التمييز المذكور ولا يفرِّقون بين الغثّ (6) والسمين،... (7) ولا يميِّزون الشمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب الليل، فالويلُ لهم ولمَن قلَّدَهم كلُّ الويل (8)

(1) ساقطة من ط.

(2) العبارة في م: الأقوى والقوي.

(3) في ط: من أصحاب.

(4) في م: وأما.

(5) في م: المقلدون.

(6) في ط: اللث.

(7) في ط زيادة: ولا يميزون اللث والسعين.

(8) لم يحصل من بيانه فرقٌ بين أهل الطبقة الخامسة والسادسة، وليت شعري بأي قياس قاسهم ووجد هذه التفاوت بينهم، وهو قليلُ الممارسة في الباب، كليلُ المؤنسة بمَن ذكره في الكتاب، ولا يعرف كثيرًا منهم، وربَّما يجعل الواحد اثنين ويعكس الأمر، ويقدِّمُ على ما هو عليه ويؤخِّر، وينسبُ كثيرًا من الكتب إلى غير أصحابها، فكيف يعرف طبقاتهم ويميِّزُ في الفقه درجاتهم، والحالُ أن العلم بهذه الكلية كالمتعذِّر بالنسبة إلى أجلّة الفقهاء، وأئمة العلماء، فإنّهم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها على ما يشير إليه قوله: {وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} [الزخرف:48] يريدُ والله أعلم أن كلّ آية إذا جرّدَ النظرَ إليها قال الناظر: هي أكبرُ الآيات وإلاَّ فلا يتصوَّر أن يكون كلَّ آيةٍ أكبر من الأخرى من كلِّ جهةٍ للتناقض.

ولكن لَمَّا كان الغالب على فقهاء العراق السذاجة في الألقاب، وعدم التلّون في العنوانات، والجدّ في الجري على منهاج السلف في التجافي عن الألقاب الهائلة والأوصاف الحافلة، والتحاشي عن الترفع وتنويه النفس وإعجاب الحال تديُّنًا وتصلُّبًا، وتورُّعًا وتأدُّبًا، كما كان الغالبُ عليهم الخمول والاجتناب عن ولاية القضاء، وتناول الأعمال السلطانية؛ لأن منازع الاتباع ما كانت مفارقة عنهم، ولا شعارهم متحولًا إلى شعار غيرهم، فكانوا يذهبون مذهبهم في الاكتفاء بالتميّز عن غيرهم بأسماء ساذجة يتبذلها العامة، ويمتهنها السوقة من الانتساب إلى الصناعة أو القبيلة أو القرية أو المحلّة أو نحوه ذلك: كالخصَّاف والجصَّاص والقُدُوريّ والثَّلجي والطَّحاوي والكَرْخي والصَّيْمَريّ، فجاء المتأخرون منهم على منهاجهم في الاكتفاء بها، وعدم الزيادة عليها في الحكاية عنهم.

وأما الغالب على أهل خُراسان ولا سيما ما وراء النهر في القرون الوسطى والمتأخرة، فهو المغالاةُ في الترفُّع على غيرهم وإعجاب حالهم، والذهاب بأنفسهم عجبًا وكبرًا والتصنّع بالتواضع سمعةً ورياءً، يستصغرون الأحاديث عمَّن سواهم ولا يسترمون في معمورة الأرض مثوىً غير مثواهم، قد تصوَّر كلٌّ منهم في خلده أن الوجودَ كلّه يصغرُ بالإضافةِ إلى بلدة فلا جرم جرى عرقٌ منهم في علمائهم، فلقِّبوا بالألقاب النبيلة، ووسموا بالأوصاف الجليلة، مثل: شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وصدر الشريعة، واستمرت الحال في أخلاقهم على ذلك المنوال من الإتراف، والغلوّ في تنويه أسلافهم، والغض من غيرهم.

فإذا ذكروا واحدًا من أنفسهم بالغوا في وصفه، وقالوا الشيخ الإمام الأجل الزاهد الفقيه ونحو ذلك، وإذا نقلوا كلامًا عن غيرهم فلا يزيدون على مثل قولهم: قال الكَرْخيّ والجَصَّاص، وربَّما يقتدي بهم مَن عداهم ممَّن يتلقَّى منهم الكلام، فيظنُّ الجاهل بأحوال الرجال، ومراتبهم في الكمال وطبقات العلماء ودرجات الفقهاء، ظنّ السوء، فيأخذ بالاستدلال بنباهة الأوصاف على نباهة الموصوف، فيحمله ذلك على الإنكار لمن عداهم واستخفاف رجال الله سواهم.

وقد كان ابن الكمال على ولاية عمل الافتاء من جهة الدولة، فأحوجُه ذلك إلى مراجعة كتب الفتاوى، والإكثارُ من مطالعة ما فيها في تحصيص أربه، والتخلص عن كربه، ووقع في نظره فيما سار به أهل ما وراء النهر من رفع أنفسهم، والوضع من غيرهم، فنَزع إليهم، وصار ذلك طبيعة له وسببًا لاندفاعه إلى هذه التحكمات الباردة والتعسّفات الشاردة، فكان ما فعلَه حدًا لمن بعده من المقلّدة، فلا يجاوزون ما ذكره، ولا يتعدّون طواره في تَنْزيل العالي عن درجته، ورفع غيره فوق رتبه، فلوا نقل إليهم شيء عن كبار العلماء ربّما يقولون: إنّه ليس من المجتهدين؛ لأنه ليس بمذكور في طبقاته. وغير مستور عن أهل الشأن أن ما أورده الرجل منهم في كتابه كنغبة من دأماء، وتربة في يهماء. وعن عائشة قالت: (( أمر رسول الله أن نُنْزل الناس ) )، وصحَّحه الحاكم وغيره، وكلُّهم أئمة الدين، ودعاة الحقِّ في الأرض، ولكن الله فضَّلَ بعضَهم على بعض، وهذه فوائد وفصول وقواعد لأرباب البصر والتحصيل والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل. ينظر: (( حسن التقاضي ) ) (92-94) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت