فهرس الكتاب

الصفحة 575 من 1323

يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليختار في الدعاء قولًا لا تشمله الإجابة، ولو استجيب له لأفضى ذلك إلى انقطاع النسل، ولم يكن ليفعل ذلك، فلهذا عدل عنه، ونهى غيره عنه.

[1701] ومنه: قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (اللهم، إني أعوذ بكمن الهم والحزن) .

ظن بعضهم أن الهم والحزن يتحدان في المعنى، وإنما عطف أحدهما على الآخر؛ لاختلاف اللفظتين، وليس كما توهم، فإن الهم إنما يكون في الامر المتوقع، والحزن فيما قد وقع، [والهم: هو] الحزن الذي يذيب الإنسان، تقول: همني الشيء، أي: أذابني، وسنام مهموم، أي: مذاب، قال الراجز:

وأنهم مهموم السنام الوادي

ويقال: أهمني: إذا طرح في قلبه الهم، والمثل: (همك ما أهمك) كما تقول: شغلك ما شغلك.

وعلى هذا الذي ذكرناه: يصح أن يقال: الهم أشد الحزن ومعظمه؛ لاقتران خوف الوقوع به؛ ولأن الشيء المتوقع من المكروه لا يزال يزداد تأثيره حتى يقع، فإذا وقع رجع أمره إلى الانحطاط، والحزن: خشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم، وبهذا الاعتبار يقال خشنت بصدره إذ حزنته.

وفيه: (وأعوذ بك من العجز والكسل) :

العجز: أصله التأخر عن الشيء، وحصوله عند عجز الأمر، وصار في التعارف اسمًا للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة.

والكسل: التثاقل عن الامر المحمود، مع وجود القدرة عليه، وقد مر تفسيره.

وفيه: (وأعوذ بك من غلبه الدين، وقهر الرجال) :

غلبة الدين: أن يفدحه، وفي معناه: (ضلع الدين) يعني: ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء؛ لثقله، والضلع- بالتحريك-: الاعوجاج.

وقهر الرجال: هو الغلبة، فإن القهر يراد به السلطان، ويراد به الغلبة، وأريد به- ههنا- الغلبة، لما في غير هذا الرواية: (وغلبة الرجال) كأنه يريد هيجان النفس من شدة الشبق، وأضافه إلى المفعول، أي: يغلبهم ذلك [17] إلى هذا المعنى يسبق فهمي، ولم اجد في تفسيره نقلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت