النصّ الأول: جاء في إنجيل متى ( 28: 19 ) قول المسيح - عليه السلام - لتلاميذه:"فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس". قيلت هذه الفقرة حسب اعتقاد المسيحيين جميعا من بعد حادثة صلب المسيح وانتهاء بعثته الأرضية . وهى فقرة انفرد بذكرها إنجيل متى الموجود بين أيدينا ، ولا أثر لها في الأناجيل الثلاثة أو سفر أعمال الرسل الذى هو تسجيل لسير الدعوة من بعد حادثة الصلب مباشرة . إضافة إلى أنَّ إنجيل متى لم يكن أول الأناجيل كتابة .
... وتتكلم هذه الفقرة على موضوعين أصبحا فيما بعد من أساسيات الإعتقاد المسيحى . أولهما نشر الديانة المسيحية على جميع الأمم ، وهو أمر يتعارض مع أقوال المسيح - عليه السلام - أثناء البعثة والسابق ذكر بعضها .
... وإذا عرضنا هذا الموضوع على الواقع التاريخى نجد أنَّ عدد التلاميذ هنا يبلغ أحد عشر تلميذا . وهؤلاء التلاميذ قد امتنعوا عن تنفيذ هذا الأمر المزعوم كما هو مسجل في سفر الأعمال ( 11: 3 ؛ 15: 17 ) . فلم يذهبوا إلى الأمم وينشروا الدعوة فيها ، بل نجدهم قد حاولوا جهد طاقتهم أن ينشروها بين اليهود فقط وفى فلسطين ، ولم يتخلوا قط عن تعاليم التوراة تنفيذا عمليا لوصايا المسيح لهم . وكان مثلهم في ذلك هو المسيح - عليه السلام - شخصيا حيث وُلد ونشأ على تنفيذ وصايا التوراة طوال فترة بعثته ، كما أنهم لم ينسو قوله"ولكن زوال السماء والأرض أيسر من أن تسقط نقطة واحدة من الناموس". فعاشوا وماتوا وهم تحت سلطان الشريعة وليكونوا شهداء على الذين جاؤوا من بعدهم .