وتتضح ازدواجية العقل والوحي في تمييزه بين الروح الهيلينية والروح العبرانية، وهو نمط إدراكي كان يشكل أساسًا فكريًا للحضارة الغربية في القرن التاسع عشر (ثم للعنصرية الغربية بعد ذلك) . فالروح الهيلينية هي روح الجمال والشكل والعقل والاتزان والعلم، وهي الروح التي أدَّت إلى تَراكُم المعلومات، ولكنها أيضًا أدَّت إلى عقلانية لا معنى لها وعالم متقدم بلا روح. أما الروح العبرانية، كما أسلفنا، فلها جانبها العالمي متمثلًا في دعوتها إلى العدل والحق والخير. ولكن ثمة جانبًا آخر لليهودية. ويذهب لوتساتو، شأنه في هذا شأن مندلسون، إلى أن الجانب العقائدي العام في اليهودية ليس مهمًا على الإطلاق، فالمهم هو الجانب الشعائري الخاص. بل إنه يذهب إلى أنها دين يُركِّز على الممارسة والشعائر وسلوك الإنسان بالدرجة الأولى، فالتوراة لا تهدف إلى ضمان انتشار الحقيقة الصحيحة المجردة مثل النزعة الهيلينية وإنما إلى إصلاح أخلاق الإنسان من خلال طاعة الشريعة وتنفيذ الأوامر والنواهي بشكل متعيِّن كما في النزعة العبرانية. ولكن هذا ليس الهدف الوحيد للشعائر، فهي تهدف أيضًا إلى الحفاظ على الهوية اليهودية وعلى تَفرُّد اليهود وعلى تقوية وعيهم القومي وعلى عزلهم عن الشعوب الأخرى. ومن هنا تسمية اليهودية «الإبراهيمية» (نسبة إلى إبراهيم) لتأكيد خصوصيتها ولتأكيد الجانب الإثني فيها.