فهرس الكتاب
وقد أشرنا من قبل إلى تأثير اليهودية الحاخامية في رؤية إسبينوزا للإله باعتباره متجاوزًا تمامًا للمادة حالاًّ تمامًا فيها. وهذه الرؤية المتناقضة، توجد وبشكل حاد في القبَّالاه اللوريانية، فالسفيروت أو التجليات النورانية هي تجسُّد إنساني كامل للإله، فهي الحلول الكامل، ولكن وراءها يوجد الـ «إين سوف» ، أي الإله الخفي المفارق تمامًا للعالم والذي لا علاقة له به، وهي ثنوية (أو ثنائية صلبة) توجد كذلك في الفكر الغنوصي.
وبحسب أسطورة تهشُّم الأوعية، فقد تبعثر النور الإلهي في الكون كله، بحيث اختلط الخير بالشر والروح بالجسد وأصبح الشر ملازمًا للخير بحيث يصبح التمييز بين الواحد والآخر مستحيلًا. وفي مفهوم الخلاص بالجسد (بالعبرية: عفوداه بجشيموت) ، نجد أن الخلاص يتم عن طريق ارتكاب المعاصي أو عن طريق الغوص في المادة. ونظرية القبَّالاه اللوريانية الأخلاقية لا تختلف كثيرًا عن نظرية إسبينوزا في الأخلاق حيث يتم الخلاص لا من خلال معرفة الخير والشر، وممارسة الخير وتجنُّب الشر، وإنما يتم من خلال إدراك أن الكون لا غاية له ولا خير فيه ولا شر وإنما ضرورات وحتميات تحدث لأنها يجب أن تحدث، فهو خلاص من خلال معرفة قوانين المادة. كما أن المطلَق الوحيد في منظومة إسبينوزا هو البقاء وبالتالي القوة، وكلما ازداد الإنسان قوة ازدادت مقدرته على البقاء وازداد خيرًا. وهذا لا يختلف كثيرًا عن طريق الخلاص من خلال المعاصي والغوص في المادة. كما أن النسبية الأخلاقية التي تسم المنظومة الإسبينوزية توجد في المنظومة اللوريانية.