فهرس الكتاب

الصفحة 3912 من 8511

ويجد بعض الدارسين أن هذا الاهتمام المرضي بموضوعات مثل البقاء والإبادة وغيرها، قد سبب خللًا نفسيًا عميقًا لأعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصًا الأجيال الناشئة التي تملأ الدعاية الصهيونية وجدانها بفخار البقاء اليهودي الأزلي الحتمي، وتشبعها رعبًا من خطر الفناء الوشيك الذي ينتظر اليهود في كل زمان ومكان، فمثل هذه النظرة المتطرفة لا تساعد كثيرًا لا على النضج ولا على الطمأنينة. وقد حوَّلت اليهودية التجديدية البقاء إلى مطلق، وأصبح معيار الإيمان مدى الالتزام ببقاء الشعب اليهودي. وقد ظهر في الفكر الديني اليهودي ما يُسمَّى «لاهوت البقاء» الذي يحوِّل البقاء إلى قيمة مطلقة وهدف نهائي، بحيث يصبح البقاء الغاية من الوجود اليهودي الديني، ويكون الشعب اليهودي ببقائه قد حقق الهدف الأخلاقي من وجوده. لكن البقاء ليس قيمة أخلاقية وإنما هو قيمة طبيعية، فكل الكائنات الحية تبذل جهدًا كبيرًا للبقاء وبأية شروط، متجاوزة قيم الخير والشر. وبالتالي، فلاهوت البقاء لاهوت غير أخلاقي نابع من النموذج الدارويني الذي يؤكد ضرورة «الصراع من أجل البقاء» و «البقاء للأصلح» ، أي أنه خطاب علماني يستخدم ديباجات دينية.

وهناك بعض المفكرين الصهاينة والإسرائيليين يرون أن رغبة يهود العالم الملحة في البقاء وتَمسُّكهم به هما السبب في تدني الشخصية اليهودية وطفيليتها، وأن الملايين التي ذهبت إلى أفران الغاز في معسكرات الاعتقال والإبادة دون مقاومة فعلت ذلك من أجل البقاء بأي ثمن وتحت أية شرط وأنهم فقدوا كرامتهم الإنسانية بذلك.

ومقابل ذلك، يطرح الصهاينة عدة أساطير انتحارية، أهمها أسطورة ماسادا، حيث يقرر الإنسان اليهودي التخلي عن البقاء في سبيل الشرف، وأسطورة شمشون حيث يقرر تدمير ذاته وتدمير الآخر. وهذه الرؤية تقف على الطرف النقيض من واقع تكيُّف وبقاء يهود العالم.

التمركز اليهودي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت