فهرس الكتاب
وأحيانًا تكون الرغبة في التسامح حقيقيةً ولكن القوى التاريخية البنيوية (التي تتجاوز النوايا) تكون أقوى منها، فحينما استولى كاسترو على الحكم في كوبا كان معروفًا بتعاطفه مع أعضاء الجماعة اليهودية، كما كان يرغب صادقًا في أن يستفيد من خبراتهم. وللتعبير عن نواياها الحسنة تجاه أعضاء الجماعة اليهودية بذلت الحكومة الكوبية قصارى جهدها لتوفير اللحم المذبوح شرعيًا لهم، غير أن التحولات الاقتصادية الجوهرية، وتأميم كثير من القطاعات الاقتصادية التي كان اليهود مركَّزين فيها، دفع أعضاء الجماعة لأن ينزحوا عن كوبا، ولم يُجد التسامح فتيلًا.
وحينما انتُخب النظام الاشتراكي في شيلي بزعامة ألليندي، نزح كثير من أعضاء الجماعة اليهودية عنها، رغم أن النظام منح الأقليات حريات واسعة، ولكن أعدادًا كبيرة منهم عادت مع حكم بينوشيه رغم أنه حكم شمولي. ولكل ذلك، فإن مقولة التسامح لا يمكن أن تفسر شيئًا.
وقد يكون التسامح شكلًا من أشكال عدم الاكتراث بالهوية، ففي المجتمعات التعاقدية الحديثة لا يدخل الأعضاء في علاقة كاملة جوَّانية وإنما يدخلون في علاقة جزئية برانية وحسب، فالإنسان يتعامل مع الآخر لا باعتباره إنسانًا وإنما باعتباره مهندسًا أو بائعًا أو سمسارًا، وبالتالي فالهوية الإنسانية لشخص، أو سماته المختلفة، تصبح غير ذات موضوع. وقد كان هذا وضع اليهود في الحضارة الغربية إذ كان يتم التسامح معهم كتجار، وكان وضعهم يستند إلى مواثيق خاصة تمنحهم الحماية والمزايا، وكانوا يوضعون في جيتوات خاصة تخلق المسافة اللازمة للأمن الاجتماعي وتحقق لهم العزلة بحيث يمكنهم التعبير عن هويتهم دون أن يشكل ذلك تحديًا للمجتمع، بل دون أن يشعر المجتمع بوجودهم. وقد كانت بعض الجماعات غير اليهودية تبذل جهدًا غير عادي للحصول على حق استبعاد اليهود، باللاتينية: دي نون توليرانديس جودايس de non tolerandis Judaeis، أي «عدم التسامح مع اليهود» ) .