فهرس الكتاب

الصفحة 3927 من 8511

وما حدث في المجتمع الحديث هو أنه أصبح مجتمعًا ذريًا يحتفظ فيه كل فرد بمسافة بينه وبين الآخر، بحيث تصبح سماته الإنسانية وهويته المتعينة أمرًا شخصيًا محضًا لا يعني أحدًا، ويدخل في علاقة تعاقدية مع بقية أعضاء المجتمع (وهذا ما كان يعنيه ماركس بتهويد المجتمع) وهي علاقة خاضعة لقواعد عامة، ومن ثم تتوارى الهويات الخاصة ويتم التحرك في رقعة الحياة العامة، وهي الرقعة التي يفقد فيها الجميع خصوصياتهم ويصبح الإنسان إنسانًا طبيعيًا ماديًا (إنسان اقتصادي أو إنسان جسماني) . والإنسان، داخل هذا الإطار، غير مطلوب منه تَقبُّل أية خصوصيات دينية أو إثنية، فاليهودي لا يقابل المسيحي ويقبله، كما أن المسيحي لا يقابل اليهودي ويقبله (باعتباره الآخر) وإنما يجب أن يتخلى اليهودي عن يهوديته والمسيحي عن مسيحيته على أن يلتقي الجميع عند مستوى علماني مجرد من رقعة الحياة العامة باعتبارهم مواطنين. ويتم تَقبُّل اليهودي بمقدار تخليه عن يهوديته أو بمقدار إظهاره الاستعداد للتخلي عن هويته، فالتسامح هنا ليس تسامحًا مع الآخر وإنما هو تَربُّص به، وهي ليست عملية مساواة وإنما عملية تسوية. إن ما يقابله الإنسان العلماني في رقعة الحياة العامة هو الإنسان الاقتصادي والإنسان الجسماني، وهي أنماط عامة يمكن التعامل معها بكفاءة ويمكن التسامح معها بسهولة إذ أن التسامح هنا لا يعني ضبط النفس أو كبح الذات. وهذا ما عناه دعاة التنوير حينما قالوا إن على اليهودي أن يصبح إنسانًا في الشارع يهوديًا في منزله، فهي تعني أن على اليهودي أن يصبح إنسانًا طبيعيًا في رقعة الحياة العامة، أي في معظم حياته. وحينما قرر دعاة التنوير إعطاء اليهود كل شيء كمواطنين ولا شيء كتجمُّع ديني مستقل نسبيًا، فهم كانوا يطالبون اليهودي بأن يصبح إنسانًا طبيعيًا، ومادة بشرية نافعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت