فهرس الكتاب

الصفحة 5156 من 8511

واكب هذه الحرفية في التفسير ظهور ديباجات علمانية حلولية، فالشعب في الخطاب الصهيوني أصبح الشعب العضوي (فولك) وهو مفهوم يَصدُر عن الإيمان بأن ثمة وحدة (وجود) عضوية تربط الشعب (العضوي) وأرضه وتراثه، وأن الجميع تسري فيهم روح واحدة هي مصدر الترابط العضوي هذا، الذي لا تنفصم عراه. وهذه الفكرة فكرة حلولية تجعل الذات القومية موضع التقديس وتخلع عليها المطلقية، والنسق الفلسفي الكامن وراءها نسق مغلق، إذ أن هذه الذات تصبح مرجعية نفسها، هي البداية والنهاية، وحتى برامجها السياسية تصبح مقدَّسة. وعادةً ما تصل هذه النماذج إلى لحظة تحقُّقها في لحظة نهاية التاريخ والفردوس الأرضي، حين تتجلى في كل مناحي الحياة، وتتجسد من خلالها. ولذا نجد أن الصور المجازية التي تُستخدَم في إطار هذه الأنساق صور مجازية عضوية تعبِّر عن عالم عضوي مصمت ملتف حول نفسه.

ولأن العلاقة عضوية حتمية، فإن هذا يعني أن الأرض اليهودية (إرتس يسرائيل) ستظل خرابًا ومهجورة إن تم فصل الشعب المقدَّس عن أرضه المقدَّسة. وهذا الشعب نفسه سيظل في حالة اغتراب وحزن (بل فساد وانحطاط) إن ظل بعيدًا عن الأرض. فالأرض تكتسب الحياة من الشعب، والشعب يكتسب الحياة من خلال الأرض. وهذه الرؤية هي التي تفسر الشعار الصهيوني"أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض". فالأرض (اليهودية) ترتبط بشكل عضوي حلولي كموني بالشعب اليهودي، ولذا فإن وُجد شعب آخر على هذه الأرض (الشعب الفلسطيني على سبيل المثال) فليس له وجود في المنظور العضوي الحلولي (ولذا لابد من تهميشه وطرده وإبادته) . وإن وُجد 99% من يهود العالم خارج فلسطين، متشردين في بقاع الأرض، فهم لا يزالون بلا أرض بسبب العلاقة العضوية الحتمية التي تربطهم بالأرض المقدَّسة. والتاريخ اليهودي بأسره تعبير عن رغبة اليهود العارمة في العودة لهذه الأرض لتحقيق تلك الرابطة العضوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت