فهرس الكتاب

الصفحة 6167 من 8511

يستخدم بوبر في هذا الجزء من فلسفته خطابًا حلوليًا عامًا ينطبق على الوضع الإنساني بأسره. ولكنه، حين يتجه إلى الموضوع اليهودي، يُضيِّق نطاق الحلولية تمامًا. فبرغم المساواة الحلولية المبدئية التي انطلق منها، فإن القداسة لا تعبِّر عن نفسها في جميع الأحوال بدرجة واحدة. ولذا، فقد يتم الحوار بين الإله والفرد في حالة البشر العاديين، أما في حالة الشعب اليهودي فإن الحوار يتم بين الشعب ككل والإله من الجهة الأخرى. كما أن الحوار الخاص الدائر بين إسرائيل والإله يأخذ شكل العهد، فالإله (الأنت الأزلي) يطلب من الأمة اليهودية (الأنا الأزلي) أن تصبح أمة مقدَّسة؛ مملكة من الكهنة الإله هو ملكها الوحيد. والمجتمع الديني اليهودي، حسب تصوُّر بوبر، لا يمكنه العيش بدون قومية، ولكن القومية اليهودية ليست قومية عادية (على عكس القوميات الأخرى) ، ولذا فإنها لا تستطيع العيش بدون دين، فالدين والقومية في حالة اليهود متزاوجان ملتحمان (كما هو الحال دائمًا في المنظومة الحلولية) . وإذا كان هناك (بالنسبة للأغيار) فارق بين التاريخ النسبي والوحي المطلق (بمعنى أن القداسة الإلهية تظل بمعزل عن تاريخ الأغيار) ، فإن الوضع مختلف تمامًا في حالة التاريخ اليهودي إذ يحل الإله فيه، ومن ثم يصبح التداخل بين المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّس والأزلي والزمني كاملًا. ومن خلال هذه الصيغة تمت صهينة الدين اليهودي وعلمنته، كما تمت صهينة وضع الجماعات اليهودية ليصبح بذلك شكلًا من أشكال التعبير عن القومية العضوية، أي أن الدين يصبح فولكلور الشعب العضوي (فولك) ، ويصبح اليهود لا مجرد أعضاء أقليات ينتمون إلى الأوطان التي يوجدون فيها وإنما يصبحون شعبًا عضويًا مقدَّسًا منفصلًا. وهنا يجب أن نتذكر أن بوبر كان يؤيد رأي فخته في أن التجربة القومية في العصر الحديث تنجز ما كانت تنجزه التجربة الدينية في الماضي، فهي تجعل العنصر الإلهي يسري في الحياة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت