فهرس الكتاب
وانطلاقًا من ثنائية الأنا والآخر العنصرية الصلبة، كان النظام الإمبريالى القديم يحاول أن يوقف عمليات التحديث في أى مكان في العالم حتى يصبح العالم الغربي متقدمًا، منتجًا ومستهلكًا، ويصبح العالم الثالث متخلفًا بدائىًا مصدِّرًا للمواد الخام والعمالة الرخيصة ومستهلكًا ضعيفًا لبعض بضائع أوربا. أما النظام الإمبريالي الجديد في عصر السيولة (في عصر الاستهلاكية العالمية) ، فيرى أنه من الضروري ترشيد العالم بأسره وتحويله كله إلى حالة المصنع والسوبر ماركت، ولذا لابد أن تتقدَّم شعوب الأرض بالقدر الكافي لتصبح شبه منتجة شبه مستهلكة. فالبدوي في صحراء نجد والهندي الأحمر في براري أمريكا والقروي في الصعيد يشكِّلون عائقًا يقف أمام النظام الإمبريالي الجديد (الاستهلاكية العالمية) ، فهم ليسوا في حاجة إلى الهامبورجر أو السيارة أو الفيديو، ومن ثم لا يمكن تجويعهم أو حرمانهم أو الضغط عليهم، وبالتالي فهم يشكلون ثغرة في نظام يشبه الآلة لا يتحمل ثغرات، ويجب أن تكون أجزاؤه جزءًا من الكل الآلي. فمثل هؤلاء الفقراء مستقلون قادرون على الحفاظ على أبنيتهم الثقافية وقيمهم المطلقة وعلى اتزانهم مع الذات ومع الطبيعة، وهذا أمر يهدد النظام العالمي. ولذا، لابد أن"يتقدم"الجميع، حتى يدخل الجميع النظام العالمي، ويتم هذا من خلال بيع الأحلام الوردية عن الرخاء الاقتصادي وتعظيم اللذة (أو الوعد باللذة) والتصعيد المستمر للرغبات الاستهلاكية والجنسية. وهو تصعيد يتم من خلال البث التليفزيوني ووسائل إعلام الداخل والخارج. ولكن يجب أن يتم التقدم، تحت مظلة البنك الدولي وصندوق النقد، داخل إطار النظام العالمي الجديد الذى تحكمه بنية التفاوت والمنظومة القيمية الاستهلاكية. ومن ثم يجب ألا يُسمَح بإدخال التنمية المستقلة، لأنها تحدث ثغرة في النظام الدولي أيضًا، فقد توقف توسع الشركات متعددة الجنسيات، وقد تعوق التنمية تحت مظلة البنك الدولي.