الصفحة 297 من 430

وظهور معاني ذلك إنما هو بالاعتبار الذي أشرنا إليه. واشتقاقه من: عبرت النهر، إذا سلكت من أحد شطيه إلى الآخر، فاعتبرت عمقه وما في قراره من سهوله أو غيرها بعبورك فيه.

وقيل: اشتقاقه من: عبرت الدراهم، إذا عرفت وزن كل درهم منها، وهل هو جيد أو غير جيد.

وقيل: من اعتبرت الكتاب، إذا قرأته في نفسك متدبرًا ما فيه لتفهم معناه، كما أشار إليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله: إذا سمعت قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} فارعها سمعك، فإنه خيرٌ يأمرك به أو شر ينهاك عنه.

ومعنى الاعتبار يظهر من مثالٍ، وهو أن تسمع كلام من لم تره يقول لآخر غائبٍ عن نظرك أيضًا: قم، فإذا اعتبرت كلمة (( قم ) )علمت أن المأمور بالقيام لم يكن قائمًا، بل كان على حالة تخالف القيام، ثم تعتبر أن عاقلًا آمرًا لا يقول لمأمورٍ عاقلٍ (( قم ) )إلا وثم للقيام معنىً، إما من جلب منفعة أو دفع مضرة، أو حالٍ توافق عقل الآمر والمأمور.

فإذا تقرر هذا اعتبرنا الكلام من حيث هو فوجدناه يشرف من وجوه، منها: شرف قائله، وشرف المقول له، وشرف المقول فيه.

ومنها: بلوغ الكلام نهاية الحسن وغاية البلاغة في أعلى مراتبها لفظًا ومعنىً.

وإذا اعتبرنا كلام الله القرآن: وجدناه كذلك، فلا أجل ولا أعظم، ولا أمجد ولا أجود، ولا أكرم من قائله تعالى، وهو الله رب العالمين وخالق الأنام.

والمقول له: هو نبينا محمد خير الخلق وحبيب الحق عليه أفضل الصلاة والسلام.

والمقول فيه: الشريعة المحمدية المطهرة الزكية المشتملة على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت