الصفحة 71 من 113

فانظروا إلى هذا الأمرِ العجيبِ: هذه الرحلةُ الشَّاقَّةُ التي ربما أخذت قرابةَ شهرٍ لمجرَّدِ سماع هذا الحديث للتثبت ، ثم عاد في مدَّةٍ مثلِها ، حتى أن جائزةَ مسلمةَ وهو أميرُ مصرَ لم تُدْرِكْهُ إلى في الطريق ( يعني: أدركتْه وهو في الطريق عائدًا ، وكان الأمراءُ يُجيزون الوفودَ والزوّارَ بالهدايا والصِّلاتِ ) .

ـ أيضًا ، رحلَ رجلٌ من المدينةِ لأبي الدرداء بدمشقَ ليسمعَ منه حديثًا بلغَه أنه يُحَدِّثُ به ، فيحكي لنا كثير بنُ قيسٍ - وهو من التابعين - يقول: كنتُ جالسًا مع أبي الدرداء في مسجدِ دمشق فناداه رجلٌ ، فقال: يا أبا الدرداء ، جئتُكَ من المدينة ، مدينةِ رسولِ الله ( لحديثٍ بلغني أنك تُحَدِّثُه عن رسولِ الله (( انظروا ماذا قال له أبو الدرداء ) قال: ولا جئتَ لتجارةٍ ؟ قال: لا ، قال: ولا جئتَ لحاجةٍ ؟ قال: لا ، قال: ولا جئت إلا لهذا الحديثِ ؟ قال: نعم ، قال: فإني سمعتُ رسول الله ( يقول:"من سَلَكَ طريقًا يطلُبُ فيه علمًا سلكَ به طريقًا من طُرُقِ الجنَّةِ ، وإن الملائكةَ لَتَضَعُ أجنِحَتها رضًا لطالب العلم ، وإن فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكب ، وإن العالمَ ليستغفِرُ له من في السماواتِ من في السماوات ومن في الأرضِ وكلُّ شيءٍ حتى الحيتانَ في جوفِ الماءِ ، وإن العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ ، إن الأنبياءَ لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافِرٍ".

وهذا الحديثُ حديثٌ حسنٌ ، وهو حديثٌ عظيمٌ ، وما فيه من فضل العلم وأهلِ العلمِ شيءٌ عظيمٌ ، ونسأل اللهَ أن يحشُرَنا في زمرةِ أصحابِ هذا الحديثِ وأن يُجَنِّبَنا جميعًا الزَّلَلَ والفتن ، إنه وليُّ ذلكَ والقادِرُ عليه .

وهذا الحديثُ من الأحاديثِ التي رُحِلَ من أجلِها ، وكانت في زمن الصحابةِ والتابعينَ يُرحَلُ لأجلِ استماعه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت