... هذه نماذج من عملية التبليغ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تعطيك صورة مبسطة عن قيامه بتبليغ أمر الله ودينه وشريعته ، واستفياء هذا الموضوع حقه يحتاج إلى مجلد ضخم على الأقل . إذ إن رسول الله خلال ثلاثة وعشرين عامًا بعد النبوة ، لم يهدأ ولم يسترح ولم يفوّت فرصة يستطيع بها أن يبلغ ، بالاتصال الشخصي والعرض الجماعي ، وفي السفر والحضر وبنفسه وأتباعه وبالمشافهة والخطاب ، ثم عمم الأمر على أمته جميعًا بأن أوجب عليهم البلاغ أنه عليه الصلاة والسلام لم يمت إلا والجزيرة العربية كلها مستجيبة لأمر الله ، وأكبر الدول المجاورة للجزيرة العربية قد بلغتها الدعوة ولم يمض عصر الخلفاء الراشدين إلا وكان أكثر العالم المعروف وقتذاك قد بلغته الدعوة ، فمن مستجيب ومن معرض قامت عليه الحجة فأصر على الكفر عنادًا ، وما من إنسان يستطيع أن يتصور مثل هذا الحماس للتبليغ المنقطع النظير يمكن أن يكون إلا وليد اقتناع كامل بصدق الدعوة والداعية ، وما كان الداعية ليعطي هذا الحماس لأتباعه ، لو لم يكن هو في أعلى حالات الصدق والقيام بالواجب والشعور بالمسؤولية أمام الله .