تقاصرت الجدود! ص _010
ألا قد ساد بعدهم أناس ولولا يوم بدر لم يسودوا! نعم إن يوم بدر قلب موازين الشرك كلها، وخفض رجالا ورفع آخرين، فهل علم من يجهل حكمة الله في تمكين القافلة من الفرار، وعدم تحقيق رجاء المسلمين في الاستحواذ عليها..؟. ومثل آخر نسوقه لما نريده لأنفسنا وما يريده الله لنا. دخل يوسف الصديق السجن وهو أبعد الناس عن تهمة، وأحقهما بالتكريم والإجلال، وانتظر على مضض أن يخرج من عالم السدود والقيود! وهيهات. ثم عبر الرؤيا لصاحبى السجن، وشعر بأن رؤيا أحدهما تدل على أن سيكون نديم الملك، فقال له ـ وهو يتلهف على الخروج ـ اذكرنى عند ربك. كلمة مفعمة بالأمل من متهم برىء، يطلب العدالة، وهو أحق الناس بأن تعرف حقيقته وتنشر صفحته.. بيد أن النديم المبهور احتوته أضواء القصور، فنسى رفاق السجن، ونسى الرجل الصالح الذى بشره بمستقبله، وذكره بنفسه، فلم يفعل شيئا ما لإنقاذ يوسف (فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) . واليوم في السجن، ذاهب في الطول مغرق في الملالة، فكيف ببضع سنين؟. لكن الأمر بالنسبة إلى يوسف عليه السلام كان له معنى آخر، كانت فترة السجن إنضاجا وإعدادا لمستقبل لا يخطر ببال، كانت تهيئة لأرفع المناصب في دين الله ودنيا الناس، كانت جمعا للنبوة والملك. واحتاج الملك وحاشيته إلى يوسف في أعقاب رؤيا محيرة، ولكن الرجل الذى كان متلهفا على الخروج، ينشد له الوسائل الممكنة تريث هذه المرة، وأخذ يشترط قبل أن يتحرك نحو الحرية! (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم ) . يوسف عندما طلب للملك بعد تلك السنين الطوال كان في حال نفسية أخرى! لقد بطل سعيه لنفسه، وامتد سكونه لربه، واستكان لِقَدره الغالب، واستراح لما يقع له في الغد القريب والبعيد. فألهم الله الملك الرؤيا العجيبة؟ أليس هو سبحانه الذى يتوفى الأنفس حين ص