فهرس الكتاب
من دروس مصرع عثمان بن عفان أحيانا أقف أمام مصارع الصالحين لأطيل التفكير! قد أفكر في حقارة الدنيا التى غادرها هؤلاء الرجال على نحو مزعج، وأسلوب خشن غليظ وأقول: لو كان لها عند الله مقدار ما هان فيها أولياؤه، وسفكت دماؤهم بهذه الطريقة الهمجية!. أو أقول: ما أشد ظهور الحق لدى بعض الناس، وخفاءه لدى بعض آخر! حتى أرى البعض يموت فداء لما يعرف وأرى آخرين يميتون غيرهم غضبا لما يعرفون!. ونحن نعلم أن اليوم الذى يقتل فيه شهيد هو يوم ميلاده في ساحة الخلد، وانتقاله إلى جنة النعيم! ومع ذلك فإن سخطنا لا يخف عن المجرمين الذين سفكوا دمه، وأباحوا حرمته.. ولى أصحاب رفع الله قدرهم فاستشهدوا وسبقوا سبقا بعيدا، ولى أساتذة قضوا سحابة عمرهم مجاهدين ثم توج جهادهم بتمزيق أجسادهم في سبيل الله، إنهم الآن سعداء بما قدموا، وقد أقرأ لهم الآن أو أقرأ عنهم ثم أغوص في لجج عميقة من الفكر، ما أغلى حياة الشهداء، وما أغبى الذين ظلموهم. ما الذى أثار هذه المشاعر في نفسى؟ كلام قرأته لعثمان بن عفان وهو يحاور قتلته قبل أن يتمكنوا منه! قال لهم:"إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلى في القيود فضعوهما"!. ولما رأى إصرارهم على قتله قال: لم يقتلوننى وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث، رجل كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت أن لى بدينى بدلا مذ هدانى الله، ولا قتلت نفسا، ففيم يقتلوننى؟. ص _084