القيمة الذاتية للإنسان الخامل.. من خمسين سنة وأنا أرقب العلاقة بين العمل والعمال، وبين العمال والملاك، وبين أولئك جميعا ورجال الحكم وتنقلت بين أقطار مستقلة ومحتلة، فوجدت هذه العلاقة تتردد بين الفعل ورد الفعل، وقلما يضبطها فقه إسلامى راشد أو خلق إنسانى نبيل. شاهدت الفلاح عندنا- من نصف قرن- يمضى عقد الإيجار فيوقع على بياض تاركا للمالك أن يضع من الشروط ما يشاء، وغالبا ما كان يزرع القمح ويأكل الطين، أو يزرع القطن ويحيا شبه عريان!. والغريب أنه كان غزير الإنتاج يملأ الوادى سمنا وعسلا.. ثم حدثت ثورة قلبت هذه الأوضاع، فإذا الفلاح يملك الأرض فلا يجيد استغلالها، وإذا هو يشارك في المجالس التشريعية العليا، وله ولسائر العمال أكثر من نصف الأصوات! وما حدث في مصر يشبه ما حدث في الجزائر حذوك النعل بالنعل! فإن الفلاح هناك كان تحت هيمنة المستعمر الفرنسى يجعل البلاد تصدر القمح إلى أوروبا، فلما استقلت الجزائر أصبحت تستورد القمح من الخارج! لا ريب أن هذه نتائج تستدعى التفكير العميق، وعندى أن القفز من الفعل إلى رد الفعل يرجع إلى جهالة الثوار وجراءتهم على الإصلاح بنقل نماذج شيوعية أو شبه شيوعية إلى أرض ترفضها كما يرفض البدن الأعضاء البديلة. إن المزارع الجماعية فشلت في روسيا فكيف تنجح في الجزائر؟ والعمال الذين يصلحهم الإنصاف المعقول كيف يتحولون إلى مشرعين يزاحمون أهل الذكر وأصحاب الاختصاص ولهم نسبة ترجح كفتهم في كل نزاع؟ إن ردود الأفعال الجامحة قد تكون أبعد عن الصواب من الأخطاء القديمة! ص _258