الصفحة 786 من 1131

أفقت من هذا الاستغراق على منظر عجب، فإن عشرات من العصافير- أو مئات- كانت تلف قريبا منى بقوة، وتقوم بمظاهر حماسية ساحرة: أهى تودع النهار المدبر وتستقبل المساء القادم؟ فلأهتف معها بهذا الدعاء:"اللهم إن هذا إقبال ليلك و إدبار نهارك وأصوات دعائك فاغفر لى". وأخذت أجيب المؤذن لصلاة المغرب! إن الأذان في الإسلام حديث معروض على الآذان والسرائر، ويجب أن نحدد موقفنا منه بتصديقه وترديد ما يقوله المؤذن توكيدا له وشهادة فوق شهادته. وذاك معنى الحديث الذى رواه سعد بن أبى وقاص"من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا، غفر الله له ذنوبه". والناس في معايشهم وأسواقهم ومنازلهم يستغرقون في شئونهم الخاصة، ويكادون يذهلون عن كل شىء، فإذا كشفوا هذه الغمة، وذكروا حقوق الله، وأصاخوا إلى صوت الداعى، فإنهم يبدؤون رحلة إلى الحقيقة. الفلاح قى حقله، والراعى في غنمه، والمسافر في رحلته، والعامل في مصنعه، كل أولئك قد يشغلون بما هم فيه حتى ليستغرقهم، فإذا انتصر في نفوسهم هاجس الحق، ونشطوا إلى الأذان، كانت لهم عند الله مكانة حسنة، وقد جاء في الصحاح أن النبى ـ صلي الله عليه وسلم ـ كان في سير له فسمع رجلا عن بعد يصيح: الله أكبر الله أكبر! فقال النبى ـ صلي الله عليه وسلم ـ: على الفطرة!! ثم قال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال الرسول: خرج من النار.. !! فاستبق القوم إلى مصدر الصوت، فرأوا راعى غنم حضرته الصلاة، فقام يؤذن.. إن الذين يغالبون النسيان ويحرسون الشعائر، ويقيمون حقوق الله لهم أجرهم ونورهم. ونحن في هذا العصر الذى يعبد اليوم الحاضر، وينسى اليوم الآخر ينبغى أن نتجاوب مع صيحات الأذان ونتشبث بذكر الله . ص _034

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت