فهرس الكتاب
المواريث التى تسرى في دماء البشر كلهم، هى مواريث الفطرة التى تتجاوب مع الحق، وتعرف أن العالم لم ينشأ من الصفر، وأنه لابد للمخلوق من خالق، وللنظام البديع من منسق بديع، وللإدارة المحكمة من مدبر يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها.. إن الفطرة المؤمنة هى الميراث المشترك بين أهل الأرض أجمعين وليست هذه اللعنة التى يهرف بها القاصرون.. على أن الفطرة تحتاج إلى حماية حتى تبلغ تمامها فالأصل أن الأجنة تخرج من بطونها سوية، وأن الثمرات تخرج من أكمامها شهية لكن بعد أن نحتاط من الآفات والحشرات التى تعدو عليها، وتصيبها بشتى العاهات، والناس يولدون بفكر مستقيم يتجه إلى الله الواحد كما يتجه السيل إلى منحدره، ويشعر بأن الفساد قبيح فهو ينأى عنه ويحس معرته. بيد أن التقاليد المعوجة والعرف السيىء تلوى زمام النشء، وتسيره في طريق آخر، وما أكثر ما تغلب البيئة الرديئة الوراثات الحسنة، وذلك ما أشار إليه الحديث المشهور"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"!! فليست الوراثة ضربة لازب- وإن كانت عناصرها قائمة- فإن مغالبة شديدة تقع بين البيئة والوراثة تنتهى غالبا بانتصار التقاليد المعوجة والأعراف الضارة، وهذا يكشف عن ضرورة التربية الصحيحة، ويبرز العمل الحقيقى للدعاة والمربين، إنهم يكافحون أخطارا شديدة، ولكن لهم في جهادهم ظهيران سلامة الفطرة وشرف الطبيعة الأولى والحق أن الإسلام وهو يخوض معركة الحياة له في كل ضمير مهاد يحسن استقباله، والمهم أن نقدم نحن إلى الناس ( فطرة الله التي فطر الناس عليهَا) . فقد حدثنا القرآن الكريم عن مواثيق الفطرة المأخوذة على الإنسان منذ نشأته الأولى، وهى مواثيق تغرس عقيدة التوحيد، وتقاوم دواعى الشرك، وتربط الإنسان بربه أبدا.. قال تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا