فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقد يَستَحْمِلون صريح الاسم؛ لمصلحة راجحة، وهي إزالة اللبس، أو الاشتراك، أو نفي المجاز، أو نحو ذلك، كقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: ٢] ، وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَنِكْتَها" ، وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أدبر الشيطان وله ضرَاط" ، وكقول أبي هريرة - رضي الله عنه -: "الحدث فُسَاءٌ أو ضُرَاطٌ" ، ونظائر ذلك كثيرة، واستعمال أبي هريرة - رضي الله عنه - هنا لفظ الاست من هذا القبيل، والله تعالى أعلم، انتهى (١) .
(فَقَالَ) عمر - رضي الله عنه - (ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) قال القاضي عياض وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى: ليس فعلُ عمر - رضي الله عنهما -، ومراجعته النبيّ - صلى الله عليه وسلم - اعتراضًا عليه، ولا ردًّا لأمره، وإنما كان ذلك سعيًا في استكشافٍ عن مصلحةٍ ظهرت له، لَمْ يُعارض بها حكمًا ولا شرعًا؛ إذ ليس فيما بعث به أبا هريرة - رضي الله عنه - غير تطييب قلوب الأمة وبُشْرَاهم، فرأى عمر - رضي الله عنه - أنّ كَتْمَ هذه البشرى أصلح لهم، وأحرى بهم لئلا يَتَّكِلُوا عليها، فتقلّ أعمالهم وأُجورهم، وأن ذلك أعوَد عليهم بالخير، من مُعَجَّل هذه البشرى، فلما عرضه على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - صَوَّبَهُ فيه. والله تعالى أعلم (٢) .
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ولعلّ عمر - صلى الله عليه وسلم - قد كان سمع ذلك من النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، كما سمعه معاذ - رضي الله عنه -، كما سبق في حديثه، فيكون ذلك تذكيرًا للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بما قد سَمِعَ منه، ويكون سكوت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك تعديلًا على ما قد كان تعذّر لهم تبيانه لذلك، ويكون عمر - رضي الله عنه - لِمَا خصّه الله تعالى من الفطنة وحضور الذهن تذكّر ذلك، واستبلد أبا هريرة؛ إذ لَمْ يتفطّن لذلك، ولا تذكّره، فضربه تلك الضربةَ؛ تأديبًا وتذكيرًا انتهى، والله تعالى أعلم (٣) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ولعلّ عمر سمع ذلك من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلخ، فيه نظر لا يخفى؛ إذ السياق يأبى ذلك، فإنه لَمّا قال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: " يا عمر ما حملك على ما فعلتَ؟ "، أجابه بقوله: فإني أخشى أن يتّكل الناسُ عليها، ولو كان سمع ذلك منه، لَقال له: إنك قلت لمعاذ: " لا تبشّرهم، فيتكلوا"، وإنما الظاهر من حال عمر - رضي الله عنه - أن هذا مما أُلهمه، فإنه من