فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال في "الفتح": قوله: "قد أنكرت بصري" ، كذا ذكره جمهور أصحاب ابن شهاب كما للمصنف من طريق إبراهيم بن سَعْد ومعمر، ولمسلم من طريق يونس، وللطبرانيّ من طريق الزُّبَيْديّ، والأوزاعيّ، وله من طريق أبي أويس: "لَمّا ساء بصري" ، وللإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن نَمِر: "جَعَلَ بصري يَكِلُّ" ، ولمسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت: "أصابني في بصري بعض الشيء" ، وكل ذلك ظاهرٌ في أنه لم يكن بَلَغَ العمى إذ ذاك.
لكن أخرجه البخاريّ في "باب الرخصة في المطر" من طريق مالك، عن ابن شهاب، فقال فيه: "إنّ عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر … " الحديث.
وقد قيل: إن رواية مالك هذه معارِضَةٌ لغيره، قال الحافظ: وليست عندي كذلك، بل قول محمود: "إن عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى" ، أي حين لقيه محمود، وسمع منه الحديث، لا حين سؤاله للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ويبينه قوله في رواية يعقوب: "فجئت إلى عتبان، وهو شيخ أعمى، يؤمّ قومه" ، وأما قوله: "وأنا رجل ضرير البصر": أي أصابني فيه ضُرّ، كقوله: "أنكرت بصري" ، ويؤيد هذا الحمل قوله في رواية ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد أيضًا: "لَمّا أنكرت من بصري" ، وقوله في رواية مسلم: "أصابني في بصري بعض الشيء" ، فإنه ظاهر في أنه لم يَكْمُل عماه، لكن رواية مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، بلفظ: "إنه عَمِيَ، فأرسل" .
وقد جمع ابنُ خزيمة بين رواية مالك وغيره، من أصحاب ابن شهاب، فقال: قوله: "أنكرت بصري" ، هذا اللفظ يُطْلَق على من في بصره سُوء، وإن كان يُبْصر بَصَرًا ما، وعلى من صار أعمى لا يُبصر شيئًا، انتهى.
والأَوْلَى أن يقال: أَطْلَق عليه "عَمِيَ" ؛ لقربه منه، ومشاركته له في فوات بعض ما كان يَعْهَدُه في حال الصحة، وبهذا تأتلف الروايات، انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١) ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.