ذلك أن يكون المتن ضعيفًا, فلا تلازم بين صحة السند وصحة المتن, ولا شك أن الأسانيد للمتون كالقوائم, وحديث لا إسناد له لا قيمة له, لكن قد يوجد الحديث بإسناد صحيح والرواة ثقات إلا أن المتن غير صحيح, فقد يهم الراوي الثقة, وقد يخطئ فيخالف من هو أوثق منه. كما أنه قد يروى الخبر بسندٍ فيه كلام ويصح المتن لوروده من طرقٍ أخرى فلا تلازم حينئذ بين صحة المتن وصحة السند.
26.قوله (والمحفوظ عن عائشة من فعلها وقالت: إنه لا يشق علي) : المحفوظ يقابله الشاذ والمعروف يقابله المنكر, الطريق الأول رواته ثقات إلا أنه شاذ, والمحفوظ الذي يقابل الشاذ مروي عن عائشة من فعلها.
27.نقل ابن القيم في زاد المعاد أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال في الرواية الأولى (كَذِبٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم) وقرر أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يتم في السفر ولم يصم في السفر.
28.قولها (إنه لا يشق علي) : كأنها تقول إنه إنما خفف عن المسافر لأجل المشقة وأن الأصل هو الإتمام ومادام أن الإتمام لا يشق عليها وهو الأصل فإنها تتم, كما فهم ابن عمرو أن نهيه عن قراءة القرآن في أقل من سبع إنما هو من أجل الإشفاق عليه ومادام لا يشق عليه والثواب يكون أكثر إذا قرأ في أقل من سبع فإنه يطلب الزيادة من الأجر.
29.ثبت عن عائشة أنها أتمت وثبت عن عثمان أنه أتم, وعائشة تأولت كما تأول عثمان, رضي الله عن الجميع, لكن يبقى أن الأفضل هو القصر, لأنه لم يحفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أتم في السفر.
30.ابن القيم يقول في الرواية الأولى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقصر في السفر وتتم - يعني عائشة - ويصوم وتفطر - يعني عائشة -.
31.بعضهم يربأ بأم المؤمنين رضي الله عنها أن تخالف النبي عليه الصلاة والسلام وهي معه, والرواية التي ذكرها ابن القيم يؤتى بها لتتفق مع ما حفظ عنه عليه الصلاة والسلام أنه لم يتم ألبتة, وأما الصيام فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صام في السفر وثبت عنه أنه أفطر في السفر.
32.حديث عبد الله بن عمر (إن الله يحب أن تؤتى رخصه - الحديث -) : في هذا الحديث إثبات أن الله جل وعلا يحب ويكره على ما يليق بجلاله وعظمته من غير مشابهةٍ للمخلوق.
33.إذا كان المخلوق يسره أن تُقبَل هبته وهديته فكيف بالخالق الكريم المتفضل؟ فهو سبحانه يحب أن تؤتى رخصه.
34.الرخصة عند أهل العلم ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح, فالقصر رخصة والفطر في السفر رخصة والمسح ثلاثة أيام بلياليها رخصة وأكل الميتة للمضطر رخصة, هذا كله ثبت على خلاف الأصل, أي على خلاف الدليل الشرعي, فالأصل الإتمام والأصل المسح يومًا وليلة لأن الغالب حال الإقامة فتكون هي الأصل, والسفر أمر طارئ على خلاف الأصل, وهذه الرخصة جاءت على خلاف الأصل المقرر لمعارض راجح وهو الأدلة الثابتة في حقها. والعزيمة ما ثبت على وفق الدليل الشرعي مع عدم المعارض.
35.منهم من يقول إن الرخصة ما دام أنها ثبتت بدليل مستقل فلا يقال إنها على خلاف الدليل الشرعي, بل هي على وفق الدليل الشرعي, فهي وإن خالفت دليلًا إلا أنها وافقت دليلًا آخر, فالكل موافق للدليل الشرعي, إذًا كيف نفرق بين الرخص والعزيمة؟ الجواب: الرخصة ما فيه سهولة وتسهيل وتيسير بخلاف العزيمة, فالعزيمة جاءت على الأصل في التكاليف وأنها إلزام ما فيه كلفة والرخصة تقليل لهذه التكاليف وتسهيل وتيسير على المكلف.
36.هل كون العزيمة جاءت قبل فإن محبة العزيمة هي الأصل المشبَّه به في قوله (كما يحب أن تؤتى عزائمه) ومحبة الرخصة فرع مقيس عليه مشبَّه, والأصل أن المشبَّه أقل من المشبَّه به, فالرخص شبهت في محبة الله جل وعلا لها وإتيانها بالعزائم في محبة الله جل وعلا لها وإتيانها, والأصل أن يكون تشبيه الرخصة بالعزيمة أن تكون العزيمة أفضل من الرخصة لأن المشبَّه به أقوى من المشبَّه في باب التشبيه, فإذا قلت (زيد كالأسد) فالأصل أن يكون المشبَّه وهو زيد أقل من المشبَّه به وهو الأسد, وعلى هذا هل في الحديث ما يدل على تفضيل الرخصة على العزيمة أو العكس؟
37.الأصل العزائم, والعزائم إذا لم يوجد مبيح لتركها فليست المسألة مسألة محبة فقط بل المسألة مسألة ترتيب عقاب على تركها, وبعضهم يفهم من مثل هذا السياق ترجيح الرخص على العزائم عند قيام سببها فيرجحون القصر على الإتمام