فهرس الكتاب
أرسطو نقية كما جاءت عنه، رافضًا إضافات الفارابي وابن سينا إلى هذه الفلسفة. هكذا تشكلت الدوائر الثلاث البيانية والعرفانية والبرهانية في الفكر الإسلامي، لكنها لم تدم مستقلة بعضها عن بعض طوال الوقت، لقد حصل تدريجيًا تداخل بين هذه التيارات ... فلقد حاول ابن سينا تأسيس (العرفان) على (البرهان) ، وذلك بالبحث في الفلسفة عن أسانيد للرؤية الهرمسية للكون والإنسان وعلاقتهما بالإله.
كما حاول الغزالي تأسيس (البيان) على (العرفان) ، وذلك بالتشكيك في كل قيمة للمعرفة الحسية والتجريبية والعقلية، متوصلًا بذلك إلى تفضيل طريقة (الكشف) والإلهام باعتبارها طريق اليقين الوحيد.
بينما حاول ابن حزم تأسيس (البيان) على (البرهان) وذلك برفض قياس الفقهاء التمثيلي، ومحاولة اعتقاد البرهان المنطقي الأرسطي المبني على مقدمتين ينتج عنهما نتيجة ضرورية يقينية، وتابعه على ذلك الشاطبي بعض المتابعة في محاولته لتأسيس فقه المقاصد.
أما ابن رشد، فقد سن محاولات الخلط بين هذه الحقول، ورأى أن الشريعة صنو الحكمة وأختها الرضيعة، وأن لا سبيل للبرهنة من أحدهما على الأخرى .. وهي نتيجة توصل إليها أبو سليمان المنطقي من قبل، لكن كان لابن رشد فضل بلورتها وتوضيحها.
المؤسف كما يرى الجابري أن محاولة ابن رشد جاءت متأخرة فلم تلق أذنًا صاغية ممن جاء بعده من المفكرين، بل كان النصر (للعقل المستقيل) في الحركة الصوفية والشيعية، كما كان النصر حليفًا لاختلاط الأنهر عند المتكلمين الذي ظهر بظهور الرازي حيث قام تلميذه (الإيجي) بعد ذلك بوضع الصورة النهائية لعلم الكلام في كتابه (المواقف) حيث يختلط فيه (البيان) بـ (البرهان) بـ (العرفان) وبذلك