فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 746

(نحن نصدر عن موقف نقدي ينشد التغيير، من التحرك من موقع أيديولوجي واعٍ، أي لابد من الصدور عن موقف تاريخاني؟، موقف يطمح ليس فقط في اكتساب معرفة صحيحة بما كان، بل أيضًا إلى المساهمة في صنع ما يتبقى أن يكون، وهو بالنسبة للمجال الذي نتحرك فيه: الدفع بالفكر العربي في اتجاه العقلنة، اتجاه تصفية الحساب مع ركام -ولا نقول رواسب- اللامعقول في بنيته.

(تكوين العقل العربي: 52) .. (لأن موضوعنا هو العقل، ولأن قضيتنا التي ننحاز لها هي العقلانية) (التكوين: ص7) .

تبني العقلانية، والدفاع عنها، والتنويه برموزها كان هدف الجابري الذي لا يخفيه في عامة دراساته التي أصدرها .. لكن العقلانية بأي معنى ... ؟!

إنه لا يوجد صراحة من يعلن الحرب على العقل والعقلانية [1] لكن الاختلاف يظهر عندما يتحدد المقصود بالعقلانية .. فما هي يا ترى العقلانية التي يدعو إليها الباحث، وينافح عنها .. ؟ من خلال الرموز الذين دافع عنهم الجابري يمكن تلمس ملامح تلك العقلانية، وسماتها الأساسية.

لقد عرض الباحث فكر أرسطو في (بنية العقل العربي) (ص 384) دون أن يتحفظ على شيء مما جاء فيه، كما اعتبر الفارابي الذي يسمى (المعلم الثاني) اعتبره هو الذي أعاد تأسيس العقلانية في الإسلام، نظرًا لكونه أول من درس المنطق الصوري كاملًا، وقد تغافل الباحث عن الجوانب الغنوصية في فكره ولم يعطها وزنها الذي تستحقه، نظرًا لأنه كما يقول جعل (العرفان) ينتج عن (البرهان) ، كما تبنى هجوم ابن حزم على القياس باعتباره منهجًا في البحث لا يفضي إلى اليقين، واعتبر

(1) مما يؤسف له حقًا أن من بين المتمسكين بالنص في الإسلام من يتصور أن الإسلام ضد العقلانية، وأن مقتضى الوفاء للنص يعني الحرب والعداء للعقل، ولذلك يصفون المخالفين لهم (بالعقلانيين) . وهذا خطأ مركب، فعلماء السلف لم يكونوا يسمون أهل البدع إلا بأهل"الأهواء"لا أهل العقول، ولم يكونوا يحاربون العقل أبدًا، كيف والله تعالى يبين في كتابه الكريم أن هلاك الهالكين إنما كان بسبب ترك النص والعقل (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) ، وهذه العجالة لا تكفي لتوفية هذا الموضوع حقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت