فهرس الكتاب
ويقول كذلك مبررًا دعوته إلى تغيير أصول الفقه:"القواعد الأصولية هذه ليست ما نص عليه الشرع لا الكتاب ولا السنة، إنها من وضع الأصوليين، إنها قواعد للتفكير، قواعد منهجية، ولا شيء يمنع من اعتماد قواعد منهجية أخرى إذا كان من شأنها أن تحقق الحكمة من التشريع في زمن معين بطريقة أفضل" [1] .
ومن القواعد الأصولية التي يريد الجابري تغييرها كي تبدو الشريعة مواكبة للعصر ومسايرة للتطور ما قرره معظم الفقهاء من دوران الحكم الشرعي مع علته في عملية الاجتهاد، ومعلوم أن العلة وصف منضبط في الشيء الذي صدر فيه الحكم؛ وبهذا الوصف يُعرف وجود الحكم فإذا وجد وُجد الحكم. ويريد الجابري تغيير ذلك بأن يكون دوران الحكم الشرعي مع الحكمة والمصلحة لا مع العلة، فإذا وُجدت الحكمة والمصلحة وُجد الحكم، وإذا عُدمت أُلغي الحكم، ويضرب لذلك مثالًا وهو: الحكم بإباحة الفوائد المترتبة على بعض المعاملات المالية التي هي نوع من شهادات الاستثمار وسندات البنوك وذلك لعدم وجود الاستغلال في هذا النوع من المعاملات، ويقول:"ومعلوم أن منع الاستغلال هو الحكمة من تحريم الربا" [2] .
ويحتج الجابري على ما ذهب إليه من ضرورة أن يكون دوران الحكم مع الحكمة والمصلحة لا مع العلة بقوله:"وإذا كان عمر بن الخطاب قد عمل باجتهاده واجتهاد الصحابة الذي استشارهم في مسألة فيها نص، فوضع الخراج عن الأراضي المفتوحة عنوة بدل تقسيمها بين المقاتلين مراعيًا في ذلك المصلحة؛ مصلحة الحاضر والمستقبل، وإذا كان قد عدل عن قسمة الغنائم بالسوية كما كان يفعل النبي وأبو بكر، وارتأى أن"العدل"يقتضي قسمتها على أساس السبق في الإسلام والقرابة من الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا كان عمر بن الخطاب -المشرع الأول في الإسلام بعد الكتاب والسنة- قد اعتبر المصلحة ومقاصد الشرع فوضعهما فوق كل اعتبار فلماذا لا"
(1) المرجع السابق ص 62.
(2) المرجع السابق ص 61.