الصفحة 83 من 117

وفي موضع ثالث يقول: (( واعلم أنك لا ترى في الدنيا علمًا قد جرى الأمر فيه بديئًا وأخيرًا على ما جرى عليه في"علم الفصاحة والبيان". أما البدِئ فهو أنك لا ترى نوعًا من أنواع العلوم إلا وإذا تأملت كلام الأولين الذين علَّموا الناس، وجدت العبارة فيه أكثر من الإشارة، والتصريحَ أغلب من التلويح، والأمر في"علم الفصاحة"بالضدّ من هذا. فإنك إذا قرأت ما قاله العلماء فيه وجدت جله أوكله رمزًا ووحيًا، وكناية وتعريضًا، وإيماء إلى الغرض من وجه لا يفطُن له إلا من غلغل الفكر وأدق النظر، ومن يرجع من طبعه إلى ألمعية يقوى معها على الغامض، ويصل بها إلى الخفي، حتى كأن بَسْلًا حرامًا أن تتجلى معانيهم سافرة الأوجه لا نقاب لها، وبادية الصفحة لا حجاب دونها، وحتى كأن الإفصاح بها حرام، وذكرها إلا على سبيل الكناية والتعريض غير سائغ. وأما الأخير فهو أنّا لم نر العقلاء قد رضُوا من أنفسهم في شيء من العلوم أنْ يحفظوا كلامًا للأولين ويتدارسوه، ويكلِّم به بعضُهم بعضًا، من غير أنْ يعرفوا له معنى، ويقفوا منه على غرض صحيح، ويكونَ عندهم، إنْ يُسألوا عنه، بيان له وتفسير، إلا"علم الفصاحة"فإنّك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ألفاظًا للقدماء وعبارات، من غير أنْ يعرفوا لها معنى أصلًا، أو يستطيعوا، إنْ يُسألوا عنها، أن يذكروا لها تفسيرًا يصحّ ) ) (1) .

لا يكون ترديد من الإمام في أمر إلا إذا كان ذلك الأمر جليلًا. تراه فاعله في شأن النظم وهو نهج إباني ذو نسب عريق بنحو القرآن الكريم.

(1) السابق: 455، ف539.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت