قد يظن أن عبد القاهر عازف في مقالته تلك على أوتار الشكوى أو المعابة صنيعَ الأئمة من السلف. أرى صنيع عبد القاهر على غير التشكي والمعابة، أراه راميًا إلى بيان جوهر ما هم بسبيل البيان عنه، إنه لا يأنس بغير هذا، ولا يليق به إلا ذلك الضرب من البيان، فهو مما يئده الإفصاح والإيضاح والإسفار، فكل جليل لا تحيط به الأبصار والبصائر. فمن كرمه لم يطرح في الطريق، فحقه أن"لا يفطن له إلا من غلغل الفكر، وأدق النظر، ومن يرجع من طبعة إلى ألمعية يقوى معها على الغامض ويصل بها إلى الخفي"، كما يقول الإمام. جوهر بلاغة البيان العالي (أدبيته/ شعريته) التي هي مناط تلقيه وقراءته وتأمله وتدبره ذات حرمة على الدهماء والغرباء، كحرمة الحرة النسيبة المسلمة، هي بسْل حرام أن تتجلى سافرة لا نقاب لها، وبادية الصفحة لا حجاب دونها، فمن شاء أن تسفر له فليكن لتلك أهلًا، وليعقد لها عقدًا، وليقدم لها صداقا شاهدًا على صدق طلبته، وأهليته لحسن الجواب. فالسلف في صنيعهم ذوو لقانية وفراسة عليمة بحق ما هو مناط القراءة والتلقي من البيان العالي، فمن أراد أن يكون من أهلها فليملك ما يؤذن له به طرق أبواب الفردوس. ومن داوم الطرق أُذن له.
عبد القاهر غير معيب صنعة العلماء هنا، ولذلك اتخذها فكانت منه في كتابيه، ولا سيما"الدلائل". تجده في قراءة بعض النصوص يعمد أحيانًا إلى الرمز والوحي، وأحيانًا ينبه على مكان الخبيء لتطلبه أنت بنفسك، وعلى مكان الدفين لتبحث عنه وتخرجه بنفسك، ويفتح لك الطريق إلى المطلوب لتضرب فيه بقدمك لا بقدم غيرك.