وهذا الأخير هو الغالب على أمره، فهو لا يحب أن يقرأ لك، وأن ينوب عنك في التأمل والتدبر. كأنه يرى في هذا حيفًا على النص من جهة، وغمط القارئ الآخر من أخرى. حق النصّ أن يخادنه كثير من القراء، فكل سعي إلى إغناء القراء عن مخادنته حيف على ذلك النص، فكل قراءة/ مخادنة من القارئ تستثمر ضربًا من العطاء المكتنز في النص. فكل قراءة ما جده للنص تجعله قديرًا على التحدث بالنعمة التي اكتنزت فيه.
وحق القارئ الآخر أن يمارس بنفسه ذوق ما يطعم، لا أن يقرى ما لاكته النواجذ من قبله. إكرامه أن تفتح له الطريق ليسلك، لا أن تحمله على ظهرك، أن تعلمه الصيد لا أن تصطاد له، كما تقول الحكمة.
ترى مثل هذا التنبيه على مكان الخبيء ليطلب في قراءة الإمام مع مدحة البحتريِّ"الفتحَ بن خاقان"، التي يتغنى فيها بقوله:
بَلَوْنا ضَرَائب مَنْ قَدْ نَرَى
فما إن رَأيْناَ لفَتْحٍ ضَريَبا
هو المرء أبدت له الحادثا
ت عزمًا وشيكًا ورأيًا صليبا
تنقَّل في خُلُقي سؤدد
سماحًا مرجى، وبأسًا مهيبا
فكالسيف إن جئته صارخًا
و كالبحر إن جئته مستثيبا
لا يلج الإمام قاموس هذه الصورة من قبل أن يهيئ المتلقي لترك التشاغل عنها، ومن قبل أن يبعث فيه الاستشراف إلى مكنونها. يثيرك لتقف بنفسك وتبحر وتغوص.
يقول: (( اعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصًا دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر … وتأمَّلْه ) ).
هو ينصفك من نفسه، لا يجعلك تعمد إلى ما يرى هو ما يصفه بالحسن، وما يشهد هو له بالفضل، إنما تعمد إلى ما كان من الأقدمين ذلك في شأنه. وكأنه لا يدعك تكافحه بأن هذه ليست بالحسنة والفاضلة، يجعلك أمام ما احتكت به عقول، ولامسته قلوب، وخبرته أذواق وأرواح، فزكت فضلًا، وسمت نبلًا.