ثم يصف لك ما أنت مقيم فيه إذا ما عمدت إلى ما ذكر لك. يريك أنك ترى نفسك بهذه الصورة الشعرية التي سيذكرها قد ارتاحت واهتزت واستحسنت، أي أنك وجدت فيها ما أقامتك في السياق الاستحساني الذي أقامت فيه من سبقك، فهي ما يزال سلطان سحر بيانها فتيًا.
وحين إذ يطالبك بالعودة إلى نفسك التي أثملتها الأريحية: النشاط وطيب النفس ـ لتعلم مصدرها وسببها، وما كانت عنده كذلك، يقيمك الإمام عبد القاهر مع نفسك، يستخرج من حالك الذي لا تجهل وشأنك الذي لن تنكر وأمرك الذي لن تدفع، كل هذا يفعله الإمام توطئة لما هو مومئ إليه من مكامن الحسن والفضيلة والسحر الآخذ في أبيات البحتري. من يفعل معك ذلك من قبل أن يشير إلى موطن الخبيء من خفي الحسن لتطلب، قد أنصفك من نفسه وهيأك لتعطي النص حقه.
ثم يؤذن فيك أنك إذا ـ هكذا تحقيقًا ـ رأيتها ـ وهي رؤية علم لا تقليد قميء ـ قد راقتك وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازًا في نفسك. فحق هذه الأبيات التي قرتك الأريحية، وحذتك الطيب أن تعلم السبب الذي به كانت المقرية الحاذية، وأن تستقصي في النظر. فإنْ فعلت في تلك الأبيات البحترية فأي شيء علمت: (( إنك تعلم ـ ضرورة ـ أنْ ليس إلا أنه قدم وأخّر، وعرّف ونكّر، وحذف وأضمر، وأعاد وكرّر، وتوخى على الجملة وجهًا من الوجوه التي يقتضيها علم النحو، فأصاب في ذلك كله، ثم لطَّفَ موضعَ صوابه، وأتى مأْتَىً يوجب الفضيلة ) ) (1) .
وهو إذ يثيرك ويقررك بالمعدن الذي نجم منه ما قراك الأريحية، يعمد إلى وضع يدك على مواطن الحسن من غير أن يخرجه لك؛ لتبحث أنت عنه فتخرجه، ويفتح لك الطريق؛ لتسلكه أنت، ويضع لك القاعدة؛ لتبني أنت عليها. فإنك إن فعلت إخراجًا وسلوكًا وبناء ذقت أعظم مما ذقت قبل، وفتحت مصاريع الأريحية في نفسك على نحو ليس لك بمثله علم.
(1) الدلائل: 85، ف78.