يقرِّرك: (( أفلا ترى أنّ أول شيء يروقك منها قوله:"هو المرء أبدت له الحادثات") ). وما بين لك ما فيه، فإن نظرت، وجدت التعريف في كل من"هو المرء"، وهو تعريف يتقاذف إلى قلبك أن يكون على نحوه في قول الشاعرة الخنساء:
إذا قبح البكاء على قتيل رأيت بكاءك الحسن الجميلا
أو على نحو قول ابن الرومي:
هو الرجل المشروك في جلّ ماله ولكنه بالمجد والحمد مُفْردُ
وهما نحوان مختلفان مثمران معنيين متفاوتين. نحو البيت الأول: إقرار البكاء عليه في جنس الحسن غير المنكور، فيكون المعنى أن"الفتح"قار في المروءة، قرارًا لا يلحقه شك من أحد. وليس المعنى على تخصيصه بالمروءة، وجعل ما عند الآخرين منها عدمًا، بإزاء ما عنده منها. ونحو البيت الثاني: الإبانة عن أنّ من شاء أن يعرف المروءة، وأن يحصّل معناها قائمة في أحد، فعليه بـ"الفتح"فإنه هي، فحيث تصورت المروءة وجدته إياها.
وثمّ احتمال أن يكون على نحو قول الأعشى:
هو الواهب المنة المصطفاة إمّا مخاضًا وإما عشارًا
إذا ما جعلت قوله"أبدت له الحادثات"قيدًا للمسند"المرء"، أي المرء المنعوت بإبداء الحادثات له عزمًا وشيكًا ورأيًا صليبًا، فيكون من سبيل الإفراد بذلك، وأنك لا تجده إلا في الممدوح.
احتمالات قائمة يسبح فيها فكرك، وفي كل متجه تلاقيك محاسن وعطايا، وإن كان أقربها أن يكون على نحو"هو الرجل المشروك".
ونعود لننظر ما في تعريف المسند إليه بالضمير"هو"، والنظر يقريك أن ذلك الوصف"المرء أبدت"إنما هو من كنهه وطبعه وسجيته، وليس مكتسبًا من بعد افتقار. هو من هُويته وكينونته لا يتخلى عنه ما بقيت فيه الحياة.