وفي إسناد الإبداء إلى الحادثات إبلاغ في تمكن الممدوح من المعالي، وأن الحادثات التي تذهل العقل فلا يعرف طريقه إلى الرأي الصليب، وتثبط القلب فلا ينبت العزم الوشيك، هي التي تكشف من الممدوح عزمه الوشيك ورأيه الصليب، فلا ترى أحدًا من قريب أو بعيد لا يبصر عزمه الوشيك ورأيه الصليب.
وفي هذا منع توهم أنه بغير الحادثات ليس ذا عزم وشيك ورأي صليب، من أن إبداءهما مقرون بالحادثات، فليس لإسناد الإبداء للحادثات مفهوم مخالفة، وذلك يؤكده النظر في قوله"أبدت"، وهي لا تبدي إلا ما كان خفيًا عن بعض الأبعدين، فقد يظن من لا علم له به أنه ليس كذلك، فإذا ما وقعت حادثة لم يبق ذو علم إلا وعلم ماله من عزم وشيك ورأي صليب.
ويبقى قوله"له"، وتقديمه على المسند إليه"الحادثات"، وفيه من الدلالة على مزيد الاختصاص بذلك، وأن هذا من الحادثات لا يكون إلا له، أما غيره فإن الحادثات تخفي ما كان لهم ظاهرًا من العزم والرأي.
وفي تقديم العزم على الرأي دلالة على أنه لا يفني وقتًا في الرأي من قبل العزم، فهما معًا مجموعان في لحظة لا يشغله الرأي عن العزم ولا العزم عن الرأي، ودلالة على أن عزمه الوشيك القريب ليس عن حمق وعصبية وتهور، كما تراه من شأن بعض المتهورين من الفتية ذوي القوة. إن عزمه صِنْو رأيه الصليب.
وقد يتراءى لك أن وصف العزم بالصلابة آنس من وصفه بالقرب، لكنك إن دققت رأيت أن في وصف الرأي بالصلابة دلالة على أنه ليست فيه ما في غيره إذا ما طُرح عليه ممن يستشير رأي فيه شيء من سلامة ودعة مال إليه واتخذه ذريعة فتقاعس. إنّ رأيه صليب لا ينهنه منه كلُّ الآراء التي تدعو إلى غير المضيّ إلى المجد. وفي وصف العزم بالقرب دلالة على أنه ليس بحاجة إلى من يوقد فيه نارها، ويذكي أوارها، بكلمات وأشعار، كما تراه عند بعض الآخرين.