الصفحة 89 من 117

ويدلك الإمام على موطن ثان من مواطن الحسن يقول: (( ثم قوله:"تنقلّ في خلقي سؤدد"بتنكير"سؤدد"، وإضافة الخلقين إليه ) ). وإذا نظرت أنت رأيت أن هذه الجملة الفعلية منسوقة على الجملة الفعلية"أبدت"، وسياق النظم:"هو المرء أبدت … وتنقّل …"، غير أنه ما نسقها بنسق نمطي"حرف من حروف العطف"، فهي في اعتلاقها بسابقتها غنية عن ناسق ينسقها، وكأنها في موقعها من التي قبلها موقع قول الله تعالى: {لا ريب فيه} من قوله: {ذلك الكتاب} ، بينهما ما يسميه البلاغيون"كمال اتصال". ليس لناسق لفظي موقع بينهما؛ لأنه إن وقع يكون موقعه عقيمًا، إذ لا يضيف إلى الاعتلاق بينهما فتيلًا مما بينهما كمال اتصال.

فكأنه يرمي إلى أن الممدوح، الذي المروءة من كنهه وسجيته وطبعه وهي فيه كاملة قارة في الحوادث، يتكشف له في أعين العالمين عزمه الوشيك ورأيه الصليب، وهو في كل حالة متنقل في خلقي سؤدد لا يتخلى عنهما أبدًا، فذلك من مألوف عادته التي تظهر في الحوادث وغيرها، وهو تنقل لا يعرف التخلي عما ينتقل منه، ولذا لم يقل:"تنقل بين خلقي"، وإنما قال:"في"، فهو حيث حل قائم في الخلقين معًا.

وهو في تنكيره"السؤدد"دلالة على عظمته وكماله وأنه لا يحاط به فيعرف، إذ التعريف تقييد وتحديد، وذلك سؤدد أعزّ من يقيد ويحدّد، هو من التكاثر والتسامي فوق طاقات كل قيد وكل حد.

وفي إضافة"الخلقين"له دلالة على أنهما ليس إلا للسؤدد، وأنك لا تجدهما منتسبين إلى غير السؤدد، فهو دائم الإمامة في أخلاق المجد والسيادة والرفعة.

وفسّر هذين الخلقين اللذين ينتقل الممدوح في رياضهما، ولا ينتقل ألبتة عنهما أو عن أحدهما بقوله"سماحًا مرجّىً وبأسًا مهيبًا"، وفي السماح معنى فوق الذي في الجود، إذ هو جود بالنفيس عن نفس كريمة رضية بما جادت به، محبّة لمفارقة ما جادت أكثر من محبة مصاحبتها لما أبقت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت