وفي وصفه بأنه سامح مرجّى دلالة على أن جوده الدافق من نفس سمحة هو مطمع الرجاء، ولذلك لم بقيد قوله"مرجَّى"، وبناه على اسم المفعول ذي الفعل المبني لغير الفاعل، دلالة على أنه رجاء ليس من فاعل متعين، بل كل من يكون منه رجاء هو ممن يرجو ذلك السماح، وفي هذا إبلاغ في النعت ما بعده.
ومثله قوله"بأسًا مهيبًا"، قابل السماح (الجود الوافر الدافق من نفس سمحة محبة للعطاء) بالبأس الذي هو القوة في شجاعة مؤلمة، من أن للبأس وجوهًا من المعنى: هو القوة والشدة في الحرب، وهو العذاب، وهو الشجاعة. وفي هذا التقابل دلالة على عظيم سؤدد الممدوح، واقتداره على أن يمنح كلًا ما يستحق.
وفي نعت البأس بأنه مهيب ما في نعت السماح بأنه مرجى من الدلالة على عموم الهيبة من عموم الناس وغيرهم، فكل من هو أهل لأن تقع منه الهيبة هو مهتاب بأسه. وفي الهيبة معنى الإجلال والخوف، وقد يكون مع الهيبة محبة وتقدير، بل وقد تكون مع الهيبة تلذذ كل على موقعه منه.
وفي تقديم السماح على البأس دلالة على أن الأقربين يرجون سماحته أكثر وأقرب مما يهابون بأسه، فهو لذي القربى يبدأ بسماحه المرجىّ، وكل قومه ذوو قربه، وإن تباعدت أوطانهم، وكل مسلم عنده ذو قربى يرجو سماحته، ومن تحدثه النفس الأمارة بسوء كان له مع السماحة بأس مهيب.
ثم يدلك الإمام على موطن آخر من مواطن القراءة والتلقي لتخرج منه خبيء الدر، ودفين الجوهر، يقول: (( ثم قوله:"فكالسيف"، وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ، لأن المعنى لا محالة: فهو كالسيف. ثم تكريره"الكاف"في قوله"وكالبحر". ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطًا جوابه فيه. ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالًا على مثال ما أخرج من الآخر، وذلك قوله"صارخًا"هناك و"مستثيبًا"ههنا؟ لا ترى حسنًا تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددت، أو ما هو في حكم ما عددت، فاعرف ذلك ) ) (1) .
(1) انظر: الدلائل: ص85.