الصفحة 91 من 117

يشير الإمام إلى أن البحتري فرّع من نعت الممدوح بأنه هو المرء الذي أبدت له الحادثات عزمًا وشيكا ورأيًا صليبًا، وتنقّل في خلقي سؤدد سماحا مرجّى وبأسًا مهيبًا، فرّع من ذلك تشبيهه بالسيف في حال استصراخه، وتشبيهه بالبحر في حال استثابته.

هذا التفريع فيه دلالة على أن مشابهته السيف في حال استصراخ أحد به منبثقة من تنقله في البأس المهيب. فهو لما كان ذا بأس يهابه كل من تقع منه المهابة والخوف، ولاسيما الأبعدين، وكان الأقربون دائمًا في أمن جلاله وسلطانه، فإن حدّثت أحدًا من الأبعدين نفسه أن يروّع ذا قرابة من الممدوح، وكل مسلم ذو قرابة {إنما المؤمنون إخوة} ، فإن المسلم ذا القرابة مستنجد بالممدوح مستصرخه، فإذا الفتح سيف براق يفيض من نجدة دما. ولذا لم يأت بأداة الشرط"إذا"المفيدة للتحقيق، وأتى بأصل الشرط"إن"دلالة على أن استصراخ الأقربين به استنجادًا من الأبعدين ليس كثير الوقوع محققة، فقلّما تحدّث الأبعدَ نفسُه الأمارةُ بالسوء أن تمتد يده إلى مسلم بما يكره؛ لما لبأس الممدوح من توغل في نفوس الأبعدين.

وفي تفريع مشابهة الممدوح البحر إنْ استثابه أحد من ذوي قرابة الإسلام من قوله"سماحًا مرجّى"دلالة على أن فيض جوده لا يكاد يحوج أحدًا من ذوي القربى أن يستثيب، فهو يعطي من قبل أن يسأل، فإنْ حدثت أحدًا نفسه أن يستثيب الممدوح، لا عن عوز وحاجة، ولكن تلذذًا بالعطية، فإن الحبيب يتلذذ بعطية المحبوب، وإنْ كان في غير حاجة إليها هي، ولكنه في حاجة إلى دلالتها على المحبة والذكرى، فإنْ حدث أن استثابه أحد من ذوي القربى، فإنّ البحر زاخر بالعطايا، يعطيك لا على قدر ما ترغب، بل على ما يرغب هو إغراقًا بفضل، وشمولًا بنعمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت