الصفحة 92 من 117

وفي تقديم التشبيه بالسيف على التشبيه بالبحر مقابلة لتقديم السماح المرجّى على البأس المهيب، دالة على أن مبدأ أمره ومنتهاه الجود والعطاء والكرم، ومن رحم هذا الكرم بأس مهيب ونجده حاضرة، وفوق هذا فيه دلالة على أنه لا مفاضلة عنده بين الخلقين إلا بما يقتضيه المقام، فحينًا يقدّم السماح وحينًا يقدم البأس، فكل في مقامه هو الجميل.

وفي تكرير"الكاف"دلالة على أن كل تشبيه منبثق من معدنه. تشبيهه بالسيف منبثق من البأس المهيب، وتشبيهه بالبحر منبثق من السماح المرجى، مستصحبًا في نفسك أنه لا ينتقل عن واحد منها، بل هو منتقل فيهما، قائم فيهما أبدًا، لا يتخلّى ولا يتعرّى.

وفي إخراجه حالًا من كل شرط من بعد أن أخرج شرطًا من كل تشبيه ضرب من التناسل بين المعاني، إشارة إلى أن نعوته وصفاته يتناسل بعضها من بعض، فنعوته لا تتعاند، بل هي المتآخية ذات الرحم الموصولة.

ويزيد على هذا: ذلك التوازنُ الإيقاعيُّ المتناغي مع الإيقاع النفسي المنفجر في نفس المتلقي لذلك الشعر من جهة، والذي هو قِرى البحتري لك أنت، والمتناغي مع الإيقاع النفسي المنفجر في نفس المتلقي سؤدد"الفتح"من جهة أخرى.

كل ذلك الذي يهطل عليه من التشبيه بناءً وتصويرًا لم يشأ"البحتري"أن يبنيه على مسند إليه حاضر في لسانه، فلم يقل لك"فهو كالسيف"، كمثل ما قال"هو المرء"؛ ليدلك على أن هذا إنما هو من رحم ما بناه على المسند في قوله"هو المرء". ولو أنه أعاد المسند إليه لكانا جملتين، ولدل ذلك على أنه وإن كان بينهما سبب وقربى فليسا من رحم، لكنه لما جعل كل ذلك مبنيًا على مسند إليه واحد دلّ على أن كل الذي فاض عليك من عطايا قوله"المرء"وما بعده، إنما هو من رحم واحدة موصولة مبرورة، وتلك هي لقانة الإبداع.

دلّك الإمام على مواطن العطاء، وإن لم يستخرج لك منها، ولكنه منحك فرصة أن تستخرج أنت بنفسك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت