وإذا نظرت ألفيت الإمام متجاوزًا البيت الأول"بلونا ضرائب …"، فهل هو ذاهب إلى أنه عاطل مما هو مشير إليه فيما تلاه من أبيات؟ وهو الذي يقول: (( فإنك تعلم أنه ليس إلا أنه قدّم … لا ترى حسنًا… ) ). لتنظر في البيت الأول:
بَلَوْنا ضَرَائب مَنْ قَدْ نَرَى
فما إن رَأيْناَ لفَتْحٍ ضَريَبا
ألا ترى شيئًا من جنس ما دلنا عليه الإمام في الأبيات التالية له؟
ألا ترى في إسناد الفعل إلى"نا"، ثم في إيقاعه على"ضرائب"، الذي هو جمع ضريبة، بمعنى الطبيعة وما جبل عليه، وفي إضافته إلى الموصول"من"، وجعل صلته"قد نرى". وهذه الفاء في"فما"، وإقامة"إن"بين أداة النفي ومدخلها"الفعل: رأينا"، وفي تقديم المجرور"لفتح"على متعلقه"ضريبًا"، وفي ردّ العجز على الصدر"ضريبا"و"ضرائب"، فضلًا عما بينهما من جناس.
أليس في ذلك كله موطنًا للحسن يمكن أن يدل الإمام عبد القاهر عليه (1) ، ثمّ ألا يذكرنا هذا البيت ببيت للبحتري يقول فيه:
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤْ دُد والمجْد والمكارم مِثْلًا
وقد تناول الإمام ما في هذا البيت الأخير من محاسن النظم في فصل حذف المفعول به (2) .
(1) يخيل إليّ أن الإمام تجاوز البيت الأول"تلونا"إلى الذي بعده؛ لأن الأول فيه الحكم"فما إن رأينا"، وفيما بعده علة الحكم، فعمد إلى العلة يحللها لتصل من خلال ذلك إلى الحكم الذي كان في البيت الأول، فتسلم به من نفسك.
(2) انظر: الدلائل: ص168 ف173.