الصفحة 94 من 117

وأنت إذا نظرت في البيت الأول الذي يمدح به"الفتح"رأيت مذهب الشاعر مبنيًا على أنهم قد عمدوا إلى اختبار طبائع من رأوا، ولم يقل لنا لماذا فعلوا ذلك البلاء بضرائب من رأوا. وإنما فرّع على هذا البلاء لهم أن انتهت بهم تلك إلى حقيقة لا قبل لأحد بردها: انتفاء أن يكون للفتح مثل. وكأنه يومئ إلى أنهم ما كانوا يبحثون له عن مثيل، بل كان همهم الأعظم ابتلاء طبائع من قد رأوا، وما كان قصدهم إلى بحث عن مثيل له وضريب، فما ذلك بالذي يقوم في صدورهم. أنت لا تبحث عن مثيل لشخص إلا إذا قام في وهمك مِظنّة أن يكون له مثيل، وتلك المظنة أو الحسبان لا يقوم في وهمك إلا إذا رأيت منه ما قد تتوهم معه أنه ممن يماثله آخر. وذلك مالا يمكن أن يكون من"الفتح"، ولن يقوم في وهمك حسبان أنه له مثيل، لأنك لن تلقى منه ما يغريك بذلك الحسبان. إنه بسؤدده مقيم حجازًا بينك وبين ذلك الحسبان، وهو حجاز ما يسطاع أن يظهره أحد، ولا يستطيع له نقبًا.

فهو كما ترى لا يبين لنا الغاية من بلائهم ضرائب من قد يرون، ولا يدلك على أن المبتغى طلب الضريب لـ"الفتح"، فلو أنه قد فعل لأجرى في المدح شيئًا أو شائبة مذمة، وما كان له أن يفعلها مع"الفتح". وهو هنا ينزع مما نزع منه قوله"قد طلبنا فلم نجد …"، إلا أنه في مدحة"الفتح"جدّد لنا مناط البلاء: ضرائب من قد نرى. إنه ليسبر الأغوار، يختبر الطبائع، يمتحن السجايا، لا ينشغل بما هو عارض أو طارئ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت