هنالك طلب وتتبع واستقصاء، وهنا بلاء واختبار، وتفرع على كل حقيقة لا تنقض فردانية الممدوح. في مدحة"الفتح"أطلق الأمر، ولم يعين مجال فردانيته،"فما إن رأينا لفتح ضريبا"، في أي شيء وأي مجال؟ لم يقل، دلالة على أن الأمر لا يحاط به تعيّنًا، كل شيء لا ضريب له فيه، مما هو بسبيل ما يمدح به ويستثنى عليه. فلا تقولن إن فيه مِظنّة أنه لا ضريب له أيضا في المكر والخبث والخيانة وما شاكه ذلك. لا تقولن؛ فذلك غفلة عن السياق، وإقحام لا يفعله قارئ القصيد، فكل شيء إنما يفهم في سياقه، وقد أكد عبد القاهر على مثل هذا في محل آخر (1) . فهو يرمي إلى أنّه"فما إن وجدنا لفتح ضريبًا في المعالي والمكارم".
وفي البيت الآخر قيد، فقال:"فلم نجد لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلًا"، وهو تعبير تمثيل، لا تقييد تعيين، فيقال إن له مثلا في غير ما ذكر من أبواب المعالي. هذه التي ذكرها (تمثيلًا) هي أم المعالي، وما غيرها إلا ولائدها، فلكل باب من أبواب الفضل سؤدده ومجده ومكارمه، إنْ في العلم أو في العمل، وإن في الحسب وإن في النسب، هو له من كل فضيلة سؤددها ومجدها ومكارمها.
(1) يقول الإمام: (( واعلم أن قولنا في الخبر إذا أخر نحو:"ما زيد إلا قائم"، أنك اختصصت القيام من بين الأوصاف التي يتوهم كون زيد عليها، ونفيت ما عدا القيام عنه، فإنما نعني أنك نفيت عنه الأوصاف التي تنافي القيام، نحو أن يكون جالسًا أو مضطجعًا أو متكئًا أو ما شاكل ذلك، ولم ترد أنك نفيت ما ليس من القيام بسبيل، أوَ لسنا ننفي عنه بقولنا:"ما هو إلا قائم"أن يكون أسود أو أبيض، كما أنا إذا قلنا:"ما قائم الا زيد"لم نرد أنه ليس في الدنيا قائم سواه، وإنما نعني:"ما قائم حيث نحن"و"بحضرتنا"وما أشبه ذلك ) )دلائل الإعجاز: ص346، ف 409.