وإذا ما نظرت في البيت الأول"بلونا …"ألفيت مكانة"إنْ"بين"ما"و"رأينا"، مكانة تؤطِّد النفي ووقوعه على الرؤية، حتى لا يحسب حاسب أنه قد وقعت على وجهة ولم يعتد بها إبلاغًا. فدل على كمال الانتفاء بإقامة"إن"من بعد"ما"، فهذا الامتداد في"ما"الدال على بسطة النفي وامتداده، وهذه السكون في"إن"الدالة على الجزم والقطع والتأكيد والتأطيد الذي قد تطهّر من أدنى شوائب الشك والحسبان، دلّ هذا كله على أن الأمر ليس من ورائه ما يحسب أوغل حاسب في الحسبان أنه قد تقع رؤية من يكون لفتح ضريبًا في باب من أبواب المعالي.
وفي قوله"من قد نرى"من دون قوله"الناس"دلالة على أن منطق العقل والفضل قاضيان على أن اختبار ما يظن قيام الفضل فيه لا يكون له أهلٌ كلُّ الناس، بل من قد يراه أهل الحكمة والفراسة، سواء قلنا من يرونه أهلًا لأنْ يكون موطن فضل، أم قلنا من يرونه، أي تقع عليهم أعينهم، ومثلهم لا تقع عيونهم على الدَّهْماء، فهم يعصمون أنفسهم عن مخالطة الدهماء، ففي خلاطهم ما لا يليق.
ولعل في إقامة"قد"بين"من"و"نرى"عدلًا لإقامة"إن"بين"ما"و"رأينا". في الشطر الثاني ما يقضي بأن"قد"هنا تحقيقية لا تقليلية، فهي ليست من بابة"قد ينجح المهمل"، بل هي من بابة قول الله تعالى: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذًا …} [النور: 63] ، {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلموا إلينا …} [الأحزاب] ، ولست بالقائل إنّ"قد"في الآيتين للتقليل ـ معاذ الله ـ ولكنها المحققة المؤكّدة المؤطّدة. كذلكم"قد"في"من قد نرى"، وهي و"إن"في"ما إن رأينا"من بابة واحدة.
عبد القاهر كما ترى نبهنا على مكان الخبيء في هذه الأبيات لنطلبه وعلى موطن الدفين لنبحث عنه فنخرجه، وفتح لنا الطريق إلى المطلوب لنسلكه، ووضع لنا القاعدة لنبني عليها، وقد حاولنا.