وإذا كانت هذه المظاهر هي صبغة الشيطان التي كسابها أهل الضلال والكفران , فكيف لا نتمسك نحن بصبغة الرحمن التي حبانا الله ـ عز وجل ـ (( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أََحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) ) [البقرة: 138] .
لماذا تقدس الحرية الدينية لكل من هب ودب، وفي نفس الوقت تشن (الحروب الاستراتيجية) على المظاهر الإسلامية كاللحية والحجاب، حتى إنه لتعقد من أجلها برلمانات، وتصدر قرارات، وتثور أزمات، وتجيّش الجيوش، وترابط القوات، هذا ونحن أصحاب الدار , و:
كل دارٍ أحق بالأهل إلا في رديء من المذاهب رجس
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس
أفكل هذا من أجل ما أسموه (قشورًا) لا! بل هم يدركون ما لهذه المظاهر من دلالة حضارية عميقة، ويدركون أنها رمز يتحدى محاولات التذويب والتمييع، ويصفع مؤامرة استلاب الهوية كمقدمة للإذلال والاستعباد.
إن من يتخلى عن (القشرة الإسلامية) سيتغطى ولا بد بقشرة دخيلة مغايرة لها، فلا بد لكل (لب) من (قشر) يصونه ويحميه، والسؤال الآن: لماذا يرفضون (قشرة الإسلام) ويرحبون بقشرة غيره؟ فيأكلون بالشمال، ويحلقون اللحى، ويُلبسون النساءَ أزياء من لا خلاق لهن، ويلبسون القبعة، ويدخنون (البايب) و (السيجار) ؟!
إن تقسيم الدين إلى قشر ولب غير مستساغ، بل هو محدَث ودخيل على الفهم الصحيح للكتاب والسنة، ولم يعرفه سلفنا الصالح الذين كل الخير في اتباعهم واقتفاء آثارهم {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ } (23) سورة النجم , وهذه القسمة إلى قشر ولُب , ظاهر وباطن _ يتبعها المناداة بإهمال الظاهر احتجاجًا بصلاح الباطن _ تلقى رواجًا عند المستهترين والمخدوعين , حينما يرون القوم يسمون المعاصي بغير اسمها .
وقسمة الدين إلى قشر ولب تؤثر في قلوب العوام أسوأ تأثير , وتورثهم الاستخفاف بالأحكام الظاهرة , وينتج عنها الإخلال بهذه الأمور التي سُميت قشورًا , فلا تلفت قلوبهم إليها , فتخلو من أضعف الإيمان ألا وهو الإنكار القلبي الذي هو فرض عين على كل مسلم تجاه المنكرات.
والتفريط في مُحَقَّرات الأعمال يؤدي إلى التفريط في عظائمها , لأن استمرار هذا التفريط يتحول مع الزمن إلى عادة تنتهي بصاحبها إلى قلة الاكتراث بأمور دينية , والتهاون بها .
ونحن إذا تسامحنا معهم في هذه القسمة إلى قشر ولُب , فإننا نلفت أنظارهم إلى أ، قياس أمور الدين على الثمار من حيث إن لكل منها قشرًا ولُبًا , وظاهرًا وباطنًا , لا يعني أن القشرة التي أوجدها الله للثمرة خُلِقت عبثًا , حاشًا وكلاَّ , بل لحكمة عظيمة وهي المحافظة على ما دونها وهو اللُب نفسه , وهذا يَحْمِلُنا على أن لا نستهين بالقشرة من حيث كونُه حارسًا أمينًا على اللُب , وهكذا الشأن في أمور الدين الظاهرة .