فحي على جنات عدن فإنها منازلِنا الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلمُ ؟
فالجنة هي دار السعادة التي { لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} (108) سورة الكهف , لا كماقال من سفه نفسه:
وطني لو شُغِلتُ بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
لقد قال رسول الله r: ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) (1) , فكم تساوي نسبة (الوطن ) من جناح البعوضة ؟! .
-أما في الدنيا , فأحب الأوطان إلى الدنيا مكة المكرمة , والمدينة النبوية , وبيت المقدس , وقد بين النبي r أن محبته مكة المكرمة مبينة على أنها"أحب بلاد الله إلى الله", فمحبتها إلى هذه البقاع التي أختارها الله , وباركها , وأحبها فوق محبتنا لمسقط الرأس , ومحضن الطفولة , ومرتع الشباب .
-وأما ما عدا هذه البلاد المقدسة فإن الإسلام هو وطننا وأهلنا وعشيرتنا , وحيث تكون شريعة الإسلام حاكمة وكلمة الله ظاهرة فثم وطننا الحبيب الذي نفديه بالنفس والنفيس , ونذود عنه بالدم والولد والمال .
ولست أدري سوى الإسلام لي وطنًا *** الشام فيه ووادي النيل سيان.
وحثيما ذكراسم الله في البلد *** عددتُ أرجاءه من لب أوطاني.
أما الوطنية بمعناها المحصور في قطعة أرض رسم حدودها أعداؤنا , أو عِرق , أو لون , أو جنس , فهذا مفهوم دخيل لم يعرفه السلف ولا الخلف , وإنما طرأ علينا ضمن ركام المفاهيم المخربة التي زرعها الغربيون وأذنابهم لمزاحمة الإنتماء الإسلامي , وتهوين الهوية المسلمة , التي ذوبت قوميات الأمم التي فتحتها في قومية واحدة هي (( القومية الإسلامية ) )ودمجتها في (( أمة التوحيد ) ), وهاك شهادة (( شاهد من أهلها ) )هو المؤرخ اليهودي (( برنارد لويس ) )الذي قال: ( كل باحث في التاريخ الإسلامي يعرف قصة الإسلام الرائعة في محاربته لعبادة الأوثان منذ بدء دعوة النبي r , وكيف انتصر النبي r وصحبه , وأقاموا عبادة الإله الواحد التي حلت محل الديانات الوثنية لعرب الجاهلية , وفي أيامنا هذه تقوم معركة مماثلة أخرى , ولكنها ليست ضد اللات والعزى وبقية آلهة الجاهليين , بل ضد مجموعة جديدة من الأصنام إسمها:
الدولة , والعنصر , والقومية .
وفي هذه المرة يظهلر أن النصر حتى الآن هو حليف الأصنام , فإدخال هرطقة القومية العالمانية , أو عبادة الذات الجماعية كان أرسخ المظالم التي أوقعها الغرب على الشرق الأوسط , ولكنها مع كل ذلك كانت أقل المظالم ذكرًا وإعلانًا.."ا.ه ."
ويقرر نفس المؤرخ حقيقة ناصعة , فيقول:"فالليبرالية , والفاشية , والوطنية , والقومية , والشيوعية , والاشتراكية, كلها أوروبية الأصل مهما أَقَلمَهَا وعدَلها أتباعًا في الشرق الأوسط , والمنظمات الإسلامية هي الوحيدة التي تنبع من تراب المنطقة , وتعبر عن مشاعر الكتل الإسلامية قد هُزمت حتى الآن غير أنها لم تقل بعد كلمتها الأخيرة"اه .
إن الغرب يكيل لنا بمكيال واحد لا بمكيالين , والمكيال الواحد هو مكيال التعصب الأعمى , والحقد الأسود , والظلم الصارخ للمسلمين فبينما يقوم بإلغاء الحدود بين بلاده , ويوحد عملته , ويوطد وحدته , إذا به يمزقنا إربًا إربًا.
*والعقيدة الإسلامية هي المنظار الذي يرى المؤمن من خلاله القيم والأفكار والمبادىء , ويحكم على الأشخاص , وينزلهم منازلهم , وهي:
"المرشح المهيمن"الذي يقوم بترشيح"التراث التاريخي"ليحدد ما يقبل منه وما يُرفض: ففرعون وملؤه كانوا مصريين لكنهم كانوا كفارًا وثنيين
وكان موسى عليه السلام وأتباعه على الإسلام مؤمنين , فواجب المؤمن أن يعادي أعداء الله , ويبرأ منهم , ولو كانوا من جلدته , ويتكلمون بلسانه , ويوالي حزب الله وأولياءه , مَن كانوا وأين كانوا , ومتى كانوا , قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهَُ} (22) سورة المجادلة , وقال تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ } (28) سورة آل عمران الأية , وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } (51) سورة المائدة الأية.
وقال تعالى في الملإِ المؤمنين من بني إسرائيل: {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ (251) } سورة البقرة الأية , فنحن_ المسلمين_ نعد هذا نصرًا لعقيدتنا الإسلامية على هؤلاء الكافرين وإن كانوا"فلسطينيين".
وأوضح من هذا وأصرح أن نقول: لو قُدَر أن الله بعث داود وسليمان_عليهما السلام _ إلى الحياة من جديد فإنهما حتمًا سيكونان متبعين لشريعة محمد رسول الله r , مصداقَ قول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} (81) سورة آل عمران.
ومصداقه في قول رسول الله r:"إنه والله لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني" (1) .
فنحن أولى بموسى من اليهود , ونحن على دين موسى دونهم , ولو بُعث موسى وداود وسليمان لحاربوا اليهود , والنصارى , والعالمانيين , وسائر الملحدين , ولعبدوا الله في المسجد الأقصى على شريعة الإسلام كما كانوا يعبدونه وحده فيه قبل نسخ شريعتهم , ولرفعوا راية الجهاد في سبيل تطهير فِلَسطين من قتلة الأنبياء , أحفاد القردة والخنازير , الملعونين على لسان الأنبياء .
وحين تقرأ القرآن الكريم وهو يسرد عليك قصة موسى_عليه السلام_ وفرعون إلى أين تتجه عاطفتك: إلى بني جلدتك المصريين أم إلى موسى وحزب الله المؤمنين؟ إلى بني جنسك المصريين أم إلى سحرة فرعون عندما واجهوه وتحدوه؟ فتحبهم لإيمانهم , وإذا قرأت قوله تعالى: {هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} (15) سورة القصص , فإنك تنحاز بلا ترد إلى موسى وشيعته المسلمين ضد أعدائهم ولو كانوا من بني جلدتك.
ومصداق ذلك أيضًا أن المسيح_ عليه السلام_ حين ينزل أخر الزمان يحكم بالإسلام , ويصلي أول نزوله مأمومًا وراء المهدي , ويقاتل اليهود , ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام , ويكسر الصليب , ويقتل الخنزير .
(1) رواه الدارمي والإمام أحمد وغيرهما , وحسنه الألباني في"تخريج منار السبيل"تحت رقم (1589 ) .